أرض الـ76 ملكًا حكموا مصر

معبد أبيدوس: قصة العشق الأبدي لإيزيس وأوزوريس

واحدا من أهم المراكز الحضارية على مدار التاريخ المصري القديم، رغم مرور أكثر من 33 قرنًا، إلا إنه مازال يقف شامخا ليبقى شاهدا على الحياة في مصر القديمة، كما كان شاهدا على قصة العشق الأبدي لإيزيس وأوزوريس، حصل على الكثير من الألقاب لعل أشهرها "تا ور" أي الأرض العظيمة.

 

"معبد أبيدوس".. أحد أهم المعابد المصرية القديمة، فتخطيطه المعماري الفريد، وجمال نقوشه، وروعة ألوانه، بالإضافة إلى الرسومات النادرة التي تحتوي عليها جدرانه، جعلته يكتسب أهمية خاصة تاريخيا، وكلمة أبيدوس هو الاسم الحالي لعاصمة أقاليم مصر العليا في العصر الفرعوني، هذا الاسم اليوناني مشتق من احد أسماءها الهيلوغريفية القديمة وهو "آب جو"، والتي كانت مركزًا لعبادة المعبود "خنتي أمنتيو" قبل أن تصبح مركزًا رئيسيا ً لعبادة "أوزير"، وهي من أغنى المواقع الأثرية في مصر.

بدأ الملك سيتي الأول في إنشاء المعبد في أواخر ثمانينات القرن الثالث عشر، وأكمل بنائه ونقوشه ابنه الملك رمسيس الثاني، وهم من ملوك الأسرة الـ19، وتقع مدينة أبيدوس في الوجه القبلي، غرب محافظة سوهاج، وتبعد عن مركز المحافظة بحوالي 70 كيلومتر، وعن مدينة البلينا 12 كيلومتر، وكان يُطلق على هذه المنطقة العرابة المدفونة، لأنها كانت مدفونة تحت الرمال، وربما كان هذا سببًا في أن تظل محتفظة بتصميمها وآثارها، وحتي اليوم تغطي الرمال السواد الأعظم من آثارها، التي لم تستخرج أو تكتشف بعد.

 

أما المعبد نفسه فيقع على بعد سبعة كيلومترات من النيل جنوب منطقة أبيدوس، وكان يصل إليه الحجاج قديما بواسطة قناة تخرج من النيل حتى جوار المعبد نفسه، في واجهة المعبد يوجد نص التكريس، الذي يؤكد أن المعبد بدأه الملك سيتي الأول، وأكمل بنائه الملك رمسيس الثاني.

اشتهرت المدينة منذ فجر التاريخ بمكانتها الدينية المقدسة، باعتبارها المركز الرئيسي لعبادة الإله أوزوريس إله البعث والحساب في الحياة الأخرى، فكان المصريون القدماء يحجون إليها ليبكو حارس الحياة الأبدية، ولذلك لم يستطع الملك سيتي الأول الذي كان يلقب بالكاهن الأول للإله ست، أن يجبر المصريين على عبادة الإله ست، لأنه كان مكروها من جميع المصريين، انما اضطر الملك لتغيير اسمه بعض الشيء، فضم إليه اسم الإله بتاح، فأصبح اسمه "سيتي مرنبتاح" أي سيتي محبوب بتاح، ونقشه على جدران المعبد بإسم أوزيري.

 

بُني معظم المعبد من الحجر الجيري الأبيض، وأعمدته من الحجر الرملي، على شكل حرف L بخلاف المعابد الفرعونية المعتادة على تصميم المستطيل، يبدأ المعبد بفنائين واسعين، في نهايتهما يوجد سلم يصل إلى قاعتين من الأعمدة، الأولى يبلغ طولها 171 قدم، وعرضها 36 قدم، تضم 24 عامود، على شكل حزم البردي، وتيجانها على هيئة زهرة لم تتفتح، هذه الأعمدة نظمت على صفين كل صف من 12 عامود، نقشت عليها مشاهد من جوانب مختلفة من حياة رمسيس الثاني، أحد المشاهد يصور خنوم إله الخلق والمياه، ومشهد ثاني يبين رمسيس الثاني الذي رعاه حتحور وإيزيس، ومشهد آخر من حفل تطهير الملك، تشكل هذه الأعمدة ممرات تؤدي إلى قاعة أخرى.

أما القاعة الثانية فتضم 36 عامودا أنتظمت على ثلاثة صفوف، كل صف 12 عامود أيضا، أتخذت عمدان الصفين الأولين نفس كل أوراق البردي بتيجانها الزهرية، أما الصف الثالث فعمدانها على شكل جذوع الشجر، سيقانها أسطوانية وقمتها مربعة، ولا توجد لها تيجان، ويلاحظ أن ارضية الصف الثالث مرتفعة قليلا بشكل جعله يبدوا كمطلع مائل، بخلاف مطلع واحد من درجتين في مواجهة الممر الأوسط الذي تصنعه صفوف الأعمدة، وعادة ما تقصر الأعمدة في كافة المعابد المصرية القديمة، كلما اقترب الإنسان من محراب الصلاة، لإنخفاض منسوب سقف المعابد، لكن في معبد أبيدوس تقصر الأعمدة بسبب ارتفاع الأرض طبيعيا كلما أقتربنا من المحاريب.

ترجع النقوش التي حُليت بها أعمد تلك القاعة إلى عصر سيتي الأول، وهي من أجمل ما صنعه المثال المصري القديم، خاصة وأن الآلهة التي مثلت برؤوس بشرية نقشت بنفس الوضع الجانبي الذي نقش به تمثال الملك سيتي الأول، وتنتهي القاعة الثانية بـ7 قاعات للصلاة، تبدأ من اليمين بمحراب حور، يليه محراب أيزيس، ثم أوزير، وآمون، وحور اختي أي رئيس الآلهة، وبتاح، وآخر قاعة تجاه اليسار محراب سيتي الأول، ويلاحظ أن المحاريب لم تكن لها أبواب من خلفها إلا محراب أوزير، فكان له باب يؤدي إلى قاعة ذات أعمدة خلفية تضم ثالوث الآلهة أوزوريس وإيزيس وحورس.

 

وفي نهاية الجدار اليساري لقاعة الأعمدة الثانية توجد بوابتين أحداهما تصل إلى قاعة مكونة من ثلاثة صالات مخصصة للآلهة نفرتوم وبتاح – سوكر، والبوابة الثانية تصل إلى ثلاثة مداخل، الأول تنتهي بممر طويل في نهايته سلم طويل يصل إلى مخرج ضيق جانبي يؤدي إلى السقف، والمدخل الثاني والثالث ينتهي الى خمسة صالات تضم قائمة ملوك أبيدوس من الأسرة الأولى وحتى الأسرة الـ19، ويبلغ عددهم 76 ملكا، بداية من الملك مينا موحد القطرين، حتى الملك سيتي الأول، وإن كان يلاحظ أن اسم الملكة حتشبسوت وأسماء ملوك عهد الإصلاح الديني أي إخناتون وأبنائه لم يدونا فيها.

تبدأ تلك القائمة المعروف بقائمة العرابة بمشهد لسيتي الأول يصحب أبنه رعمسيس الثاني وهما يتلوان من أحد البرديات صلاة يدعو فيها الآلهة بالرخاء، وكانت تقول نصا ليت بتاح سكر، وأوزير رب القبر الذي يسكن معبد سيتي الأول يضاعفان الهدايا لملوك الوجه القبلي والوجه البحري بواسطة الملك سيتي، فيجعلانها ألفا من الخبز، وألفا من أباريق الجعة، وألفا من الماشية، وألفا من الأوز، وألفا من البخور على يد الملك سيتي الأول للملك منا، إلى نهاية الصلاة، يتبعها أسماء الملوك.

المصادر:

  • سليم حسن،موسوعة مصر القديمة: في مدنية مصر وثقافتها في الدولة القديمة والعهد الإهناسي - الجزء الثاني، نهضة مصر للطباعة والنشر، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  • ديتر أرنولد: موسوعة العمارة المصرية القديمة، مطبعة جامعة برينستون، نيوجيرسي الولايات المتحدة الامريكية، الطبعة الأولي 1994.
  • ديليا بيمبرتون، مصر القديمة، كتب كرونيكل، ولاية كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولي ١٩٩٢.
  • مارغريت موراي، مجمع الأوزيريون في أبيدوس، المدرسة البريطانية للآثار المصرية ، لندن كواريتش ، لندن 1904.

التعليقات