الغزو التركي نهب كل ما يمكن أن تصل إليه أياديهم في القاهرة

1800 مصري شيدو حاضرة الدولة العثمانية منذ خمسة قرون

مؤخرا نجحت الحكومة المصرية في استرداد مخطوط "قنصوة الغورى"، وذلك بعد إثبات ملكيته وأحقيته، وذلك قبيل بيعة في العاصمة البريطانية لندن، لتُصبح بذلك ثاني مخطوطة يتم استردادها خلال أربعة أشهر فقط، وهي عبارة عن مخطوطة تضم ربعة قرآنية تعود ملكيتها الى السلطان قنصوة الغورى اخر الحكام المماليك، والذين حكموا مصر قبيل الغزو العثماني لمصر في عام 1517.

 

تصطحبنا مخطوطة قنصورة الغورى لمشهد دامى حدث منذ أكثر من اربعة قرون، وتحديدًا في الثامن من أغسطس من العام 1516، حيث معركة مرج دابق قرب مدينة حلب السورية بين الجيش المصري بقيادة قانصوه الغورى، والجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول، والتى إنتصر فيها العثمانيين على المماليك بفعل خيانة والي دمشق خير بيك، وتمت محاصرة الجيش المملوكي، وقُتل في المعركة الكثير حتي أنه لم يتم العثور علي جثة السلطان قنصوه الغوري، وقد قيل أن أحد جنوده قام بقطع رأسه بعد مقتله ودفنها حتى لا يعثر عليه العثمانيون ويمثلوا به.

كانت معركة مرج دابق الباب الرسمي لدخول العثمانيين بلاد الشام، والتجهيز لغزو مصر للقضاء على دولة المماليك بها، وكان السلطان طومان باى قد تولي حكمها خلفا لقنصوه الغورى، ومن المشهد الدموى لمرج دابق لمشهد أخر أكثر دموية في الريدانية بالقرب من مدينة العباسية المصرية، حيث اندلعت أتون معركة أخري بين العثمانيين بقيادة السلطان سليم الاول والمماليك بقيادة طومان باى، وذلك فى الثاني والعشرين من شهر يناير من العام 1517، لتنتهى المعركة بإنتصار الجيش العثمانى لخيانة بعض المماليك، بالإضافة إلي استخدام العثمانيين للأسلحة النارية فى حين اعتماد جيش المماليك على السيف والرمح، ما خلق توفقًا عثمانيًا كاسحًا، وأدي إلي إعدام طومان باى شنقًا علي باب زويلة فى الرابع عشر من ابريل من العام 1517، لتبدأ مصر العصر العثماني.

 

بمجرد أن وطأ العثمانيين بأقدامهم الأراضي المصرية، بدأوا في نهب وسرقة كل ما يمكن ان تصل إليه أياديهم، حيث قاموا في بادئ الأمر بانتزاع كل ما هو ثمين من مباني ومساجد القاهرة، من أبواب وفسيفساء والاسقف والأعمدة، حتي أن الجنود العثمانيون قاموا بإنتزاع الذهب من حوائط المساجد الفاطمية والمملوكية التى أشتهرت بروعة عمارتها وزخرفتها، وعدد كبير من المصاحف والمخطوطات والمشاكى والكراسي النحاسية والمشربيات والشمعدانات والمنابر من المساجد الكبري، وأثناء عودة سليم الأول رافقة أكثر من ألأف جميل أحمالا من الذهب والفضة والتحف والسلاح والصينى والنحاس والرخام الفاخر.

لم يكتفى سليم الأول بما إستولى عليه من ذهب وأموال بل قام بالاستيلاء علي سفينتين محملتين بأرباب المهن، علي رأسهم كُتاب الخزينة أو المحاسبين، وأرباب الحرف والفنون و"الاسطوات"، وهى كلمة كانت تُطلق على كبير أو شيخ الصنعة، وكان منهم شيخ سوق الغزل وشيخ الزراكاتشية، وهم نساجوا الأقمشة بالخيوطة الملونة والمذهبة، وشيوخ السيوفية والسقائين والسباكين والحدادين والنجارين والمبلطين والمرخمين والخراطين والمهندسين والحجارين والفعلاء، بالإضافة إلي جماعة من اليهود السامرية، وطائفة من النصاري، وقد بلغ عددهم حوالى 1800 شخص، كانوا قد قاموا بحبسهم داخل أبراج الأسكندرية، وذلك تمهيدًا لنقلهم إلي القسطنطينية أو أسطنبول.

 

كانت الدولة العثمانية تري في القاهرة منارة للشرق، وكانت تعتقد أن حاضرتها أولي بما صنعه المصريين في قاهرتهم، لذا كان الهدف من نقل الحرفيين والعمال المصريين المهرة إعادة تشييد اسطنبول من جديد، فما نراه اليوم من مساجد وكنائس وطرق وشوارع ما هو إلا نواه وضعها "صنايعية مصر" الذين تم خطفهم وأُرغموا على السفر الى القسطنطينية وترك ذويهم فى مصر، ليس هذا فحسب فتذكر بعض المصادر التاريخية غرق إحدى السفينتين قبل أن تصل إلى تركيا فى مياه البحر، وذلك بفعل تمرد الكثير من شيوخ المهن والحرف الغاضبين والساخطين لخطفهم ونقلهم رغمًا عنهم لذا تمت معاقبتهم بقتلهم غرقًا، وهو ما أدي إلي خراب ما يقرب من 50 مهنة اشتهرت بها مصر وقاهرة المعز.

لم يكتفي العثمانيين بسرقة المال والذهب والآنفس فقط، بل ذهب أيضا للإستيلاء على الالقاب، حيث قام بسرق لقب خادم الحرمين الشريفين من الخليفة العباسي المتوكل على الله، في محاولة لإكتساب شرعية جديدة، ليصبح بذلك هو السلطان وأمير المؤمنين وخليفة المسلمين، كما قاموا بالإستيلاء علي الآثار النبوية التى كانت توجد فى مصر حينذاك، كالبردة والسيف والتى توجد الأن فى مسجد أبي أيوب الآنصارى بتركيا، بالإضافة إلى تقديم مفاتيح الحرمين من قبل  محمد أبو نمى الثانى بن بركات، وذلك كرمز منه لخضوعه للسلطنة العثمانية، وبذلك تكون مكة خضعت للدولة العثمانية بدون أى حروب ومعارك، ما يعني أن السيطرة علي"مصر" كانت ذات أهمية تاريخية بالغة للعثمانيين.

 

واليوم وبعد أكثر من خمسة قرون علي تلك الجرائم مازالت تركيا تلعب نفس الدور في سرقة التراث والآثار المصرية، فهي اليوم تتخذ دور الوسيط التجارى كمحطة رئيسية تقوم بتهريب القطع الاثرية لتجد من يبحث عنها خارج مصر، وقد تم بالفعل إحباط محاولة لتهريب الأثار المصرية القديمة إلى إسطنبول، حيث تم ضبط 26 قطعة آثرية و3 تماثيل من توابيت مصرية مدون عليها كتابات هيروغليفية  و3 تمائم أخري، وبعض القطع التى تعود الى الحقبة اليونانية والرومانية و9 قطع فخار، وقطعة من كتان كفن إحدى المومياوات المصرية.

التعليقات