"رحلة 2.5 مليون سنة..

من النقش على الحجر إلى الكتابة في جيوب السماء المفتوحة (1)

قد تكون هناك فجوة كبيرة بين أدم الذي علمه الله الأسماء كلها، وبين أحفادة الذين ولدوا على الأرض، فثمة تناقض واضح بين الأب الذي نزل من الجنة يعرف كل شيء عن الحياة، بل عن المستقبل نفسه حتي قيامة تلك الأرض التي نزل عليها، وبين الأحفاد الذي عانوا طويلاً لإكتشاف ذلك الكوكب الذي مُهد من أجلهم.

فجأة، وبدون مقدمات، ودون حتي أن نعلم الأسباب، نسي ذلك الإنسان التعيس كل شيء تقريباً، لم يعد يعرف أي شيئ عن أي شيء، عن الأرض التي يعيشون بها، عن الكائنات التي يتعايشون معها، عن السماء، وما يحلق فوقهم، وما خارج غلاف كوكبهم، نسوا النار التي بها صنعوا غذائهم، المنازل التي كانت تأوي أجسادهم، الأسلحة التي كانوا يدافعون بها عن أنفسهم، حتي ما كان يستر سوءاتهم، ما عادوا يذكرونه.

"كيف نسي الإنسان ما علمه الله لأدم؟..".. سؤال لا أحد يملك إجابة له، ولا أعتقد أن الباحثين قد فكروا يوما الإجابة عنه، هناك فجوه يوافق عليها البعض، وفقاً للمعتقد الديني السماوي، وهناك قطعاً نسبة أكبر من بني الإنسان يرفض الإقتناع بها، ولكن الثابت حقاً أن الإنسان على مدي تاريخة المدون، باي شكل تم تدوينه، بدأ خلال العشرة آلاف عام الماضية في تطور حالة التعرف على الأشياء، وبدأ في تشكيل وعية المعلوماتي مع تلك الأشياء، ثم بدأ فيما بعد في تدوين تلك المعلومات طبقاً لحالة التطور.

هنا بدأ الإنسان يدخل مرحلة جديدة في التعامل مع ما يستقبله من معلومات، يوم بعد يوم، سنة بعد سنة، بدأ أحفاد أدم في التعرف على الأسماء من جديد، ما يعني أن خزائن معلوماتهم بدأت في النمو بشكل ضخم، وبشكل لم يعد لعقولهم القدرة على استيعابه، ما يعني أن علاقتهم بالتكنولوجيا بدأت ببداية استخدامهم للأدوات المحيطة بهم في الطبيعة، واستخدامها في الحصول على الطعام وحماية أنفسهم من الوحوش البرية، وأدى استخدام تلك الأدوات إلى تطور الإنسان نفسه من خلال زيادة قدرته على أداء الأعمال بسهولة، ومن ثم القدرة على تطوير الأدوات تلك البدائية، والتي كانت بداية التكنولوجيا كما نعرفها بمفهومها الحديث.

أغلب الدراسات العلمية أشارت إلى أن أول استخدام للأدوات قام به الإنسان، كانت قبل حوالي مليونين ونصف المليون عام، حيث إستخدام الأحجار الحادة في تشذيب الأخشاب، وحفر العظام وتقطيع لحوم الحيوانات من أجل تسهيل تناولها، وتزامن اكتشاف النار مع صنع الإنسان الفؤوس بأحجام وأشكال مختلفة، واستخدمها في العديد من الأغراض، وقد سهل اكتشاف النار حياة الإنسان القديم، حيث استطاع أن يطور من أدوات الصيد ويصنع الأواني الفخاريّة ومن ثم الزراعة، ومع تزايد الأنشطة بدأ الإنسان يبحث عن وسائل لتدوين معلوماته عن تلك الأنشطة فظهرت باكورة علوم "تكنولوجيا المعلومات".

تأريخ التاريخ

بداية، يجب أن نعلم جيداً أن ظهور الوسائل المعلوماتية يعود إلى عصور قديمة، يقدرها العلماء ببداية نزول الإنسان نفسه إلى الأرض، فمظاهر الاتصال المختلفة، كاللغة التي تحدث بها، والنقوش الأثرية والرسومات والمجسمات والصور التي حفرها في العصور المختلفة، يمكن اعتبارها أشكالا لوسائل معلوماتية، أدت إلى إيصال رسالة ما، إلى متلق آخر بطريقة تتواءم مع مستوى الإنسان الإداركي والزماني والمكاني لكل عصر من العصور، لذلك علينا أولاً أن نفهم تطور تلك الوسائل قبل الحديث عن عالم تكنولوجيا المعلومات بشكله الحديث.

خلال الفترة من عام 3500 إلى 2900 قبل الميلاد، بدأت شعوب الأرض في إبتكار وسيلة واتصال وتفاهم معلوماتي بسيطة، فكان الرسوم على الصخور والكهوف أولي تلك الوسائل، حيث قام السومريون باختراع الخط المسماري، والقدماء المصريون باختراع الهيروغليفية، ثم تلاهم الفينيقيون باختراع أول أحرف أبجدية، وفي عام 2000 قبل الميلاد ابتكر المصريون طريقة لتدوين معلوماتهم على ورق البردي، وبعد أكثر من ستة قرون، وتحديداً عام 1400 قبل الميلاد قام الصينيون بالكتابة على العظام، وقد سجلت أول موسوعة مكتوبة عام 1270 قبل الميلاد.

يوماً بعد يوم، ومع الإحتياج المتزايد للعمليات المحاسبية، ابتكر الصينيون عام 2000 قبل الميلاد عداداً خشبيا، أطلقوا علية "أباكس"، وتعني باللغة اللاتينية "جدول"، وهو عبارة عن عداد استخدم على مر القرون كأداة أو آلة لإجراء العمليات الحسابية مثل الجمع والطرح، وحتي اليوم هناك شعوب متقدمة مثل اليابان والصين وبعض البلدان الغربية تعلّم كيفية استعمال هذه الآلة في المدارس بالإضافة إلى استعمالها الفعلي في كثير من المجالات عوضًا عن الآلة الحاسبة الإلكترونية.

وفي عام 900 قبل الميلاد ظهرت في الصين أول خدمة بريدية، وكانت للإستخدامات الحكومية في بادئ الأمر، وفي عام 776 قبل الميلاد بدأ الإنسان في ترويض الحمام الزاجل لإرسال الرسائل من مكان لآخر، وبين عامي 500 إلى 170 بدأ المصريون في تطوير كتاباتهم على ورق البردي، ما أدى إلى استخدام الرسل الراجلة لإيصال الرسائل بين عامي 200 إلى 100 قبل الميلاد.

بعد ميلاد المسيح علية السلام، بدأ عالم تدوين المعلومات ينحي منحي جديد، ففي عام 37 للميلاد، قام الرومان باستخدام المرايا في جهاز يدعى هيليوجراف "Heliograph" لإرسال الرسائل، وفي عام 100 للميلاد، بدأ عصر الورق والكتابة العصرية، ما أدي إلى ظهور أول كتاب مغلف، وفي عام 105 قام الصيني "تساي لون" Tsai Lun، باختراع الورق الذي نعرفه حالياً، وفي عام 305 ظهرت أول مطبعة خشبية في الصين، ما أهلهم لنحت الرموز على مكعبات خشبية.

ظل تطور عالم التدوين المعلوماتي بطئياً حتي جاءت اللحظة الفارقة عام 1450، فقد بدأ ظهور الصحف في أوروبا للمرة الأولى، وبعد خمس سنوات، أي عام 1455 قام "جوناس جتنبيرج" باختراع أول طابعة معدنية قابلة لتغيير الأحرف، وفي عام 1560، ظهرت أول كاميرا تعمل بتقنية الغرفة المظلمة "Camera Obscura"، والتي أسماها العالم العربي الحسن ابن الهيثم "القُمرة".

في عام 1650 بدأت الصحف بالصدور يومياً، حتى تم اختراع أول آلة كاتبة على يد الإنجليزي "هنري ميل" عام 1714، وفي عام 1814 نجح الفزيائي الفرنسي "جوزيف نيبس" بالتقاط أول صورة ضوئية، وفي 1821 نجح أيضاً البريطاني "كارلوس ويتستون" باختراع ميكروفون أولي، وبعده بعشرة سنوات نجح الأمريكي جوزيف هنري في اختراع أول تليغراف كهربائي عام 1831، وباختراع شفرة مورس عام 1835 أصبح للإتصالات مفهوم جديد، فتلك الشفرة أو الكود تُعد أول نظام خاص لإرسال الرسائل، ويستخدم مقاطع صوتيه قصيرة وطويلة، في تراكيب محددة للتعبير عن الحروف الأبجدية، والأرقام أو أي علامات أخري تستخدم في نقل المعلومات، ويطلق على الصوتي القصير "نقطة"، وعلى الصوتي الطويل "الشرطة"، ما أدي في نهاية الأمر إلى ابتكار الأمريكي "صمويل مورس" لأول خط تلغراف بعيد المدى، تلاه اختراع الأسكتلندي أليكساندر بين لجهاز الفاكس في عام 1843.

وفي عام 1876 نجح المخترع الأمريكي "توماس اديسون" في اختراع أول آلة طابعة سماها "ميميوجراف"، وفي نفس العام حاز المخترع الأمريكي "ألكسندر جراهام بل" على براءة اختراع أول وسيلة إتصال صوتيه، وهي "تليفون"، وفي عام 1877 توالت الإختراعات، فقام أديسون باختراع جهاز "الفونوغراف" لتسجيل الصوت على اسطوانات من الشمع، وهو، تلاه البريطاني "إدوارد مويبريدج" في نفس العام بنجاحة في التقاط أول صورة فوتوغرافية متتالية بسرعة كافية، ما مكنة فيما بعد من جعل الصور تتحرك، وبعد بضع سنوات، أي في 1894 قام الإيطالي "جالييلمو ماركوني" بتطوير جهاز التليغراف ليعمل لاسلكيا، وبعد اربع سنوات ظهر جهاز "المجيب الآلي" لأول مرة.

كان للعالم الدنماركي "فلاديمير باولسن" دور كبير في اختراع السماعات، فقد نجح في اختراع ما يسمي بالتسجيلات المغناطيسية عام 1899، وفي 1902 تمكن "جاليلمو ماركوني" من إرسال أول موجات راديوية عبر المحيط الأطلسي، وقام بإرسلها من شاطئ مدينة "كورنويل " البريطانية، إلى جزيرة "نيوفوندلاند" الكندية، وبعد ذلك بثمانية سنوات تمكن "أديسون" من إرفاق الصوت مع الصورة المتحركة، وبعد أربعة سنوات، أي في عام 1916، أًجري أول اتصال تلفوني عبر القارات، مما أدي إلى ظهور الراديو متغير الموجات.

في عام 1923 بدأ عصر التلفاز، والذي قام باختراعه العالم الأمريكي الجنسية الروسي المولد "فلاديمير زوريكين"، وفي عام 1927 ظهر أول بث تلفزيوني في انجلترا، ليدخل العصر الذهبي للراديو بعد ثلاثة أعوام بانتشاره حول العالم عام 1930، وفي عام 1934 تمكن المخترع الأمريكي "جوزيف باجن" من التسجيل على شريط فيديو لأول مرة، وطيلة الاربعة سنوات التالية أثمرت جهود العلماء والمخترعين، فاصبح بالإمكان التعديل على الفيديو بدون الحاجة إلى البث المباشر فقط.

أما عن عالم "تكنولوجيا المعلومات" التي نعيش أحدث تطوراتها اليوم، فقد بدأ عصرها بوضع أول جهاز كمبيوتر في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1944، وأُطلق علية إسم "هارفارد مارك 1"، كما وضع أول ترانزيزتور عام 1948، تلاه ظهور أول شبكة "Network" في الولايات المتحدة عام 1949، وفي عام 1951 تم بيع أول جهاز كمبيوتر بشكل تجاري، وفي عام 1958 تم اختراع "الدائرة المدمجة"، وهي الدائرة الإلكترونية المتكاملة، وهي من أهم التقنيات التي ساهمت في بناء تقنية المعلومات والتكنولوجيا عموماً.

وفي عام 1969 اطلقت وزارة الدفاع الأمريكية شبكة وكالة مشاريع البحوث المتقدمة، والتي عُرفت إختصارا بإسم "إربانت"، من أجل ربط الجامعات ومؤسسات الأبحاث، لتصبح النواة الحقيقة التي أدت إلى ظهور الإنترنت، وفي عام 1971 ظهر أول قرص لتسجيل البيانات "قرص مرن"، وفي نفس العام ظهر أيضاً "المايكروبروسيسر"، وفي اليابان ظهر عام 1979 أول شبكة تليفون محمول، وفي 1985 بدأ تليفون السيارة في الإنتشار، وفي نفس العام ظهر ما يسمي بالأقراص المدمجة "سيديهات"، وفي عام 1994 أطلقت الحكومة الأمريكية العنان لشبكة الإنترنت العالمية، لتجعل الاتصال سريع لأقصى الحدود، حتى وصل عدد مستخدمي الانترنت عام 1996 إلى 9 ملايين مستخدم، واليوم تخطي الأربعة مليارات مستخدم حول العالم.أخصائي نظم معلومات حاسب إلي

(مبرمج ومحلل نظم)

التعليقات