"قلعة البحرين".. لوحه فنيه تحكي تاريخ الإنسان في خمسة عصور

منذ خمسة قرون مضت، وبمجرد أن أعلن العالم عن إكتشافه لطريق رأس الرجاء الصالح، مكنتهم من الإلتفاف حول القارة الافريقية، وطأ المستعمر البرتغالي بقدميه أرض البحرين، تلك الجزيرة المُطلة علي الخليج العربي، لتبدأ معهم مرحلة جديدة من الإستعمار لبلاد الشرق، لم يكن الأمر بالصعوبة التي يتخيلونها، فقد كان الشرق يعاني ضعفٍ في ظل دولة خلافة ضعيفة في اسطنبول.

 

أكثر ما لفت انتباه البرتغاليون مبني حجري ضخم، ذو اطلالة استراتيجية كاشفة لساحل الخليج، تمنح المتحكم فيه القدرة علي السيطرة علي جزيرة البحرين، قلعة كبيرة تم بناؤها منذ أكثر من قرن مضي، لذلك استخدموها كموقع عسكري طيلة فترة احتلالهم البحرين، من 1521 حتي 1602، ولهذا السبب بنوا مقرًا للقائد، وقاموا بعمل بعض الإضافات الأخري، فقاموا بتوسيع السور الخلفي للقلعة، وبنوا أربعة أبراج أخرى ذات شكل مربع.

 

"قلعة البحرين".. أو ما كان يُطلق عليها بقلعة "دلمون"، نسبة إلي حضارة عظيمة قامت في جزيرة البحرين وشرق الجزيرة العربية، وهي منطقة عرفها السومريين بأرض الفردوس، اكتُشفت في خمسينيات القرن الماضي، جاءت البعثة الدنماركية برئاسة بيدر فيليم جلوب وجيفري بيبي، ثم أصبحت موقعاً رئيسياً لبحوث البعثة الأثرية الفرنسية وحفرياتها، وقد عُثر داخلها علي أدلة تثبت أنها كانت موقعاً سكنياً في الفترة الممتدة من عام 2300 قبل الميلاد وحتى القرن الثامن عشر.

تُعد ضاحية السيف أحد ضواحي العاصمة البحرينيه المنامة، والتي بُنيت علي اطرافها الشرقية قلعة البحرين، أهم محطات التبادل التجاري بين بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين، وشرق الجزيرة العربية وآسيا الوسطى ومنطقة وادي الهندوس، وخلال العصور الإسلامية، أضحي هذا الموقع موضع تنافس دولي كبير، لتشهد على ذلك التعديلات المتعاقبة التي أدخلت على القلعة التي تتوج الموقع في يومنا هذا.

 

الملاحظ في قلعة البحرين إنها طراز مختلف عن كل الطرز المعمارية للحصون التي أُنشئت في العصور الوسطي، فلم يكن مجرد مبني حجري ضخم كبقية القلاع الأخري، ولكنه يتكون من عدة أجزاء ضخمة تم على مدى مراحل متتالية، لذا فهو يعتبر أحد المواقع النادرة التي تتضمن طبقات أثرية متراكمة يعود تاريخها إلى أواخر العصر البرونزي في منطقة الخليج العربي، لتشهد على المستوطنات البشرية الأولى منذ عام 2200 قبل الميلاد، وانتهت بهجرة الموقع التدريجية خلال القرن الـ17 للميلاد.

 

أما عن تاريخ بناء القلعة، فقد بدأت في عهد ملوك مملكة هرمز، تلك المملكة التي تم تأسسيها في القرن العاشر ميلاديا، كان مجرد حصن صغير تم بناؤه من قبل حكام عرب محليين في القرن الرابع عشر الميلادي على مباني تعود لفترات مختلفة، وتتكون من أربعة أبراج دائرية، في كل زاوية برج وبعض الغرف الخاصة بالذخيرة، والغرف الخاصة بالجند، وفي القرن الخامس عشر قام الحكام المحليين بتوسعة القلعة من الخارج، فقاموا ببناء سور خارجي خلف السور الأصلي، مع إضافة أبراج جديدة دائرية الشكل، برجان في وسط الجدار الغربي وبرجان في وسط الجدارين الشمالي والجنوبي.

كان للحضارة الإسلامية تأثيرها هي الأخري علي قلعة البحرين، ويبدو هذا واضحًا في الجهة الشمالية لسور المدينة، حيث يوجد الحصن الإسلامي، والذي يعود تاريخ بنائه طيلة الفترة من 100 ميلادية حتي 1400 ميلادية، وهو مبني على شكل مربع، طول كل ضلع من أضلاعه 52 متراً، وفي كل زاوية يوجد برج دائري، وفي منتصف كل جدار برج على شكل نصف دائرة، ما عداً الجدار الغربي، فإنه يتوسط برجان على شكل ربع دائرة، حيث يشكلان معاً المدخل الرئيسي، وفي كل برج فتحات للرماية، وتتوسطه فناء مربع وفيه أربعة ممرات تتعامد وتنفتح على الفناء وتوجد به مجموعات كثيرة من الغرف ومدبسة لتخزين واستخراج عصير التمور، أو ما يطلقون علية إسم عصير "الدبس".

 

إزدادت أهمية القلعة مؤخرًا عقب افتتاح متحفًا يحكي قصة تلك المدينه التاريخية، متحف يضم خمسة قاعات مختلفة زمنيًا، كل قاعة تحكي عصر مختلف عاشته شواطئ الجزيرة العربية، يضم المتحف 500 قضة أثرية، تُعد من أهم المقتنيات المستخرجة من الموقع خلال الحفريات الأثرية، تحكي لنا الحقب التاريخية بدءًا من دلمون وتايلوس حتى الحقبة الإسلامية، فهناك قطع أثرية توثق لعملية صهر النحاس والبرونز التي يعود انطلاقها خلال العصر الحديدي، وبالتحديد خلال الفترة ما بين 550 – 500 قبل الميلاد، حيث كان المعدنان يستخدمان بكثرة آنذاك داخل القلعة عبر ورشة تقع داخل المبنى الكبير.

لم يكن متحف قلعة البحرين مجرد قاعات لعرض بعض الأثار، ولكنه مسرح لعرض تاريخ منطقة ظلت لآلاف السنين مرفأ رئيسيًا للجزيرة، ومركز لعاصمة بلاد "دلمون"، والتي كانت تعتبر أهم حضارة في الخليج منذ نهاية الألف الثالثة إلى منتصف الألف الأولى قبل الميلاد، كما كانت محطة للتبادل التجاري بين الشرق والغرب، وفي عام 2005 تم تسجيل القلعة كموقع أثري ضمن قائمة التراث العالمي لدى اليونيسكو، حيث تم بناؤه علي مدى 4000 عاما من الاحتلال المستمر.

التعليقات