يستعد للإحتتفال بالعيد الـ170

"الجامع المرمر".. شيده محمد علي باشا لينافس القصور العثمانية

احتار فيه المؤرخون، تارة يسمونه بمسجد الألبستر، وتارة يلقبونه بالمسجد المرمر، تحفة فنية، وهو نوع من أنواع الرخام النادر الذي كسي به، أضحت أهم معلم من معالم قاهرة المعز، قبلة لكل من يرغب في التمتع بالمحروسة من أعلي قلاعها، قبلة لكل من يسعد بالنظر لكل ألوان الفنون، إختلط طيلة تاريخة بالتاريخ والدين والسياسة والفن بالزخرفة والعمارة.

 

"جامع محمد علي باشا".. اعتقد المصريين خطأ إنه قلعة لمجرد أن صاحبه قرر بناءه أعلي قلعة صلاح الدين الأيوبي، يستعد للإحتفال بعيد بناؤه الـ170، فقد بدأ العمل في عمارة هذا المسجد عام 1830، واستمر العمل بلا انقطاع حتى توفي محمد علي باشا في سنة 1849، فدفن في المقبرة التي أعدها لنفسه بداخلها.

 

بمجرد أن استقر الحكم لمحمد علي باشا علي كل عموم مصر، استدعي المعماري الفرنسي "باسكال كوست" سنة 1820، وطلب منه أن يبني له جامع ضخم ليُصلي فيه، وليُصبح مدفناً له فيما بعد، ولكنه لم يتمكن من تنفيذ حلمه، فعهد إلي المهندس المعماري التركي "يوسف بشناق"، وطالبه بوضع تصميم لمسجده، وبالفعل بدأ المعماري التركي في عمله، والذي خرج متأثراً بالفن العثمانلي، فجاء متشابها في أجزاء منه مع مسجد السلطان أحمد بالاستانة، فاقتبس منه مسقطه الأفقي بما فيه الصحن والفسقية مع بعض التعديلات القليلة.

كان للطابع الفريد لمسجد محمد علي باشا دوره في انتشار ذلك التصميم، ساعد علي ذلك ازدياد المهندسين الأتراك الذين رافقوا ولاة مصر من قبل السلاطين العثمانيين، وقد كان أول نموذج يخرج إلي النور على هذا النسق هو مسجد سليمان باشا، أو سارية الجبل بالقلعة، وكان ذلك قبل بناء مسجد محمد علي باشا بأكثر من ثلاثة قرون، تحديدا في 1527 ميلادية، ثم مسجد سنان باشا بحي بولاق سنة 1571، ومسجد الملكة صفية في 1610 ميلادية، فمسجد محمد بك أبي الذهب في 1773، وأخيرا مسجد محمد علي بالقلعة سنة 1830.

 

ويتألف مسجد محمد علي من تركيبة رخامية حولها مقصورة من النحاس المذهب جمعت بين الزخارف الإسلامية والتركية المتأثرة بالباروك والروكوكو، ونال جامع محمد علي باشا قسطاً كبيراً من العناية والرعاية من أفراد أسرته، بدأت مع عباس حلمي باشا الأول والذي أمر بإتمام كسوة الرخام، كما قام بعمل تركيبة رخامية ومقصورة نحاسية لقبر جده محمد علي باشا ووضع بداخلها شمعدانات فضية ومصاحف مذهبة، كما أمر بفرش المسجد وإضاءته بالنجف، وعين له القراء ورصد له الخيرات.

وفي عهد محمد سعيد باشا تقرر أن يقام به خمس احتفالات سنوية هي ليلة المعراج، ليلة النصف من شعبان، ليلة الثالث عشر من رمضان التي توفي فيها محمد علي باشا بالإسكندرية، ليلة الرابع عشر من رمضان التي أُودع فيها محمد علي باشا مثواه الأخير، وليلة القدر، وأمر أيضاً بطلاء مقصورة القبر النحاسية وأحدث بعض التغييرات في كتابتها، وفي عهد إسماعيل باشا تم تزُويد المسجد بأبواب جديدة، وبشماعات نحاسية، ومصحفان مذهبان بخط إبراهيم أفندي رشدي، كما أُعد به مقصورة بجوار المنبر كي يصلي فيها السلطان عبد العزيز الأول أثناء زيارته لمصر، كما أُحيط المسجد بأسوار، وأُنشئ به دورة مياه، وبعد تولي توفيق باشا الحكم سنة 1879 أمر بإصلاح رخام الصحن، وإعادة رصاص القباب، وزوده بمصاحف مذهبة، كما اعتنى به الملك فؤاد وقام بإعادة بناء القبة.

 

مسجد المرمر أسطواني الشكل، ينقسم إلى قسم شرقي معد للصلاة، وقسم غربي وهو الصحن الذي تتوسطه فسقية الوضوء، ولكل من القسمين بابين متقابلين أحدهما قبلي والآخر بحري، القسم الشرقي مربع الشكل طول ضلعه من الداخل 41 متر، تتوسطه قبة مرتفعة قطرها 21 متر، وترتفع عن مستوي أرضية المسجد بحوالي 52 متر، وهي محمولة على أربعة عقود كبيرة، وتتكئ أطرافها على أربعة أكتاف مربعة، ومن حولها توجد أربعة أنصاف قباب، ونصف خامس يغطي بروز المحراب، بخلاف أربعة قباب صغيرة موزعة بأركان المسجد.

كسيت جدران المسجد من الداخل والخارج بالرخام الألبستر المستقدم من محاجر بني سويف، وكذلك كسيت الأكتاف الأربعة الحاملة للقبة الكبيرة حتى ارتفاع 11 متر، وتشغل الجدار الغربي دكة المؤذنين وهي بعرض المسجد ومقامة على ثمانية أعمدة من الرخام، فوقها عقود وبها سقوف ملونة ولها سياج من نحاس، ويصعد إليها وإلى الممر العلوي المحيط بالمسجد من سلمي المنارتين، وبدائر المسجد من أسفل شبابيك كتب على أعتابها من الداخل أبيات من قصيدة البردة، وجهة القبلة يوجد المحراب المبني من رخام الألبستر، ويجاوره منبر رخامي أضيف في عهد الملك فاروق الأول، وبالقرب منه المنبر الخشبي القديم المحلى بنقوش مذهبة وهو أكبر منبر في الآثار الإسلامية المصرية.

 

بئر يوسف


يتميز بئر يوسف بالإعجاز الهندسي، وهو أحد الآثار الباقية من العصر الأيوبي، وهو بئر عجيب في هندسته، نادر في عمارته، يبلغ عمقه 90 مترا منها 85 مترا حفرت في الصخر، يتكون من مقطعين ليسا على استقامة واحدة، إلا أنهما يتساويان في العمق تقريبا، من أجل ذلك سمي هذا الأثر بئرين في كتابات بعض المؤرخين، وتبلغ مساحة مقطع البئر السفلية 2.3 متر مربع، في حين تبلغ مساحة مقطع البئر العلوية خمسة أمتار مربعة، وذلك للحاجة إلى تأمين ممر إلى البئر، يسمح بنزول الثيران اللازمة لإدارة الساقية المثبتة على البئر السفلية، وذلك لجلب الماء من عمقها إلى مستوى البئر العلوية، ويقوم زوج آخر من الثيران بإدارة ساقية ثانية مثبتة على البئر العلوية لرفع الماء من منسوب الساقية الأولى إلى سطح الأرض.

البعض من عوام المصريين كانوا يرددون أن هذا البئر يُنسب إلى النبي يوسف عليه السلام، لكن الأدلة التاريخية تؤكد أن البئر حُفرت في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي، وأن أسمة كاملاً، الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين والدنيا يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُويني التكريتي، وبمرور الوقت نُسي اسم صلاح الدين وبقي اسم يوسف، الذي مهد لرسم قصص أسطورية من الخيال الشعبي حول البئر.

 

في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون تمت اضافة حوش الباشا إلى القلعة لاستخدامه كحديقة للطيور والحيوانات، فتغير استخدامه لأغراض كانت للنطاق السلطاني من قبل، إلى أن أنيطت به جميع وظائف وأغراض النطاق السلطاني في عهد المماليك والعثمانيين، وقد جاءت تسميته بحوش الباشا لكونه كان مقرا للبشوات في مصر في العهد العثماني.

التعليقات