بانوراما صاحبة العصمة

"الإيجيبشيان جيوجرافيك".. تشارك «سلامة القس» الغناء بمتحف أم كلثوم

"عايزنا نرجع زي زمان قول الزمان ارجع يا زمان".. منذ خمسين عامًا مضت، تحديدا عام 1967، أبدعت السيدة أم كلثوم، تلك الكلمات في قصيدتها "فات الميعاد"، لرائعة الشاعر مرسي جميل عزيز، وتلحين مُبدع الزمن الجميل بليغ حمدي، سمعتها اليوم وأنا أخطو بقدمي متحفها كوكب الشرق في جزيرة منيل الروضة.

 

أم كلثوم كوكب صدح في سماء القاهرة سنين طويلة، ورغم أنه أفل عن عالمنا منذ أكثر من اثنين واربعين عاماً، إلا أن كلمات أغنياتها وصوتها الذي مثل حتي اليوم صوت مصر، لم يغيب عن عالمنا، فقديما كتبت بأناملها عبارات خلدها التاريخ، "لا يُعرف المرأ في عصره"، عبارة أثبتت بالفعل إن قيمة مثل أم كلثوم لم ولن تموت حتي وإن رحل جسدها عنا، فمازالت السيدة بلا جدال "كوكب الشرق".

بمجرد أن تطأ بقدميك متحفها الصغير، سيعود بك الزمن إلى عصر الفن الجميل، كأنك ولجت داخل ألة زمنية اخرجتك من صخب هذا العصر إلى عالم أخر من الهدوء والابداع، ستتنفس عطر التاريخ، بكلماته الرائعة، بالحانه الشجية، بصوت يُعيدك لتاريخ مضي ولن يعود، تاريخ الفن المصري الأصيل.

مبني صغير، ردهات قليلة، فتارين هنا وهناك، وبعض من مقتنيات، أول ما ستقع علية عيناك، هلال ماسي، ذلك الذي رافقها طيلة حفلاتها، لم يفارقها منذ أن أهدتها إياها السيدة "فريال أحمد الدعيش"، أحد أفراد الأسرة المالكة في الكويت، تراه متألقا شامخا كشموخ صاحبته، يلقي ضوء يخطف ابصار من ينظر إليه.

"فإذا أنكر خِل خله.. وتلاقينا لقاء الغرباء.. ومضى كل إلى غايته.. لا تقل شئنا، فإن الحظ شاء".. أن تملأ تلك الكلمات الرائعة، والتي دونها إبراهيم ناجي، والموسيقي الراقية التي لحنها رياض السنباطي، وأنت تقف أمام ذلك الفستان الزهري الني كانت ترتديه حينما شدت الأطلال، على يمينة فستان أسود كُتب تحتة أغنية "أنت عمري" لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، ستشعر حينها أن لقاء كالسحاب اجتمع هاهنا.

"كم أنت عظيم أيها الأب".. لا شك أنك ستقول تلك العبارة بمجرد أن تلاحظ الكثير من صور كوكب الشرق مع أبيها، دائما ما ستجده يحتويها، كان دائم الإلحاح بضرورة ان تحتفظ ابنته بالزي البدوي والعقال، حتي بدت للوهلة الأولي وكأنها صبي، فقد كان يخشي عليها، كون ابنته لم تحتك بالعالم الأخر، ومن فتنة الوسط الفني.

علي أحد الأركان وضعت عشرات الصور، تلك التي التقطتها السيدة أم كلثوم أثناء تصوير افلامها الستة، فاطمة ودنانير وسلامة ووداد وعايدة ونشيد الأمل، إلى جوار مجموعة أخري تجمعها مع الكثير من الفنانين وعظماء الموسيقي المصرية، وأخري تجمعها برجالات الجيش المصري، وكبار الساسة والوزراء والنظار.

"امتي الزمان يسمح يا جميل.. وأقعد معاك علس شط النيل".. هل تذكرون ذلك الشيء الذي يطلقون عليه "جرامافون"، كان معجزة عصرة، وفلتة زمانه، اتاح للمصريين سماع ما احبوه من أصوات وألحان، حينما تقع عيناك على "جرامافون" كوكب الشرق، سيتنامي إلى مسامعك نفس الأصوات التي كانت تعشقة تلك السيدة، الشيخ زكريا أحمد، أبو العلا محمد، ينتحي ركنا هادئا كما كان دائما في حياتها.

 

علي مقربه من الجرامافون، معرض صغير ضم الكثير من الأوسمة والنياشين التي حصلت علية طيلة مشوارها الفني، بدأته بـ"وسام الكمال"، والذي منحه لها الملك فاروق عام 1946، وحصلت على لقب صاحبة العصمة بفضلة، إلى جوارة وسام "الأرز الوطني" اللبناني، والذي حصلت عليه عام 1955، بالاضافة إلى وسام الاستحقاق اللبناني الذي حصلت عليه 1968، ووسام الكفاءة الفكرية التي حصلت عليه من ملك المغرب الحسن الثاني، ووسام الاستحقاق الذي حصلت عليه من جمال عبد الناصر عام 1960، ووسام النهضة من الاردن، وبعض الاوسمة الاخرى.

وأمام هذا المعرض باترينه زجاجية طويلة تضم بعض المفكرات التي كانت تسجل فيه يومياتها على المسرح بخط يدها، بالاضافة إلى قلمها وجواز سفرها وبطاقة عضوية خاصة لنادي الطيران، وقفازين وحقيبة يد ومصحفين مرصعين بالصدف، و3 نظارات مرصعة بالماس، ومنظار كانت تستخدمه في المسرح.

 

ماذا يمكن ان تقتنيه تلك السيدة من وسائل تكنولوجية، غير مجموعة من أفضل وأحدث أجهزة التسجيل والراديو في ذلك العصر، جنبا إلى جنب مع عشرات الخطابات والبرقيات التي وصلتها من رؤساء الدول العربية، وبعض البراءات الخاصة بالأوسمة التي حصلت عليها، وثلاث خطابات شكر وتقدير من أنور السادات، لتبرعها بمبالغ مالية لتدعيم القوات المسلحة، وتطوير الاسلحة في مصر، كما يوجد اول عقد لأم كلثوم مكتوب فيه الشرط الجزائي بخط يدها، وينص على: "أنه إذا حدث اثناء العقد ان استخدمت الشركة مغني آخر، ودفعت له عن أي حفلات أجرا أعلى من الأجر المدفوع للفنان الأول فإن الشركة سترفع من اجر الفنان الاول".

"بانوراما صاحبة العصمة".. هكذا اطلقوا عليه، ساحة عرض طويلة، تحتوى على شاشة عرض طولية، تتيح للزائر مشاهدة مجموعة كبيرة من صورها، تجعلك تشعر كأنك ترتمي في أحضان زمن تلك السيدة وفنها البديع، فها أنت سترافقها في المسرح حينا، وفي الريف حينا آخر، ثم تحتضن معها نفس الأطفال التي عشقتهم، وأخيرا ستستمتع بفيلم صغير لا يتعدى 45 دقيقة فقط يعرض حياتها الفنية.

 

التعليقات