أبدعوا في كل المجالات..

الساعة الشمسية والباروكة والفرشة الفرعونية.. اختراعات مصرية طوتها الأيام

منذ آلاف السنين بلغت التكنولوجيا المصرية القديمة ذروتها، لكن صفحات التاريخ طوت كثيرا منها، لتنسب إلى دول أخرى، أو ليعاد اختراعها قبل بضعة قرون.

 

كان المصريون القدماء مبدعين في عديد من المجالات مثل: الفلك، والرياضيات، والطب، وغيرها من العلوم الأخرى، وبإمكاننا أن نجد تلك الاختراعات في حياتنا اليومية الآن، وقد تبهرنا اختراعاتهم، ليس فقط لأنها كانت سابقة لزمانها، بل لأنه على الرغم من تقدمنا الآن لم نتمكن من فهم المبادئ الأساسية لبعض تلك الاختراعات.

 

ولأن الاختراعات المصرية القديمة قد يطول طرحها، دعونا نعرض بعض الأمثلة التي تبرهن على براعة أجدادنا القدماء في مجالي معرفة الوقت والنظافة الشخصية.

 

التقويم الفرعوني

 

كان التقويم عند القدماء المصريين الذين عاشوا حياة زراعية يعني الفرق ما بين العيد والمجاعة، فاخترعوا التقويم من قبل أكثر من 5000 عام، واعتمد تقويمهم على اثنتى عشرة دورة للقمر – أي اثنى عشر شهرا- واستهلوا العام بظهور نجم الشعرى اليمانية في السماء يوم 21 يونية.

 

قسم المصريون التقويم الى ثلاثة مواسم، حيث يضم كل منها أربعة أشهر تتزامن مع ارتفاع منسوب مياه نهر النيل وانخفاضه، وقسم كل شهر إلى 30 يوما، أي ما مجموعه 360 يوم في السنة، وفي وقت لاحق لاحظ المصريون عدم دقة تقويمهم بشكل كاف، فلم يفض نهر النيل كل عام بحلول نهاية شهر يونيو كما كانوا يتوقعون، لذا قرروا إضافة خمسة أيام إلى العام لتعويض هذا الفارق، فصار العدد الإجمالي لأيام السنة 365 يوما.

 

ونظرا لاعتماد المصريين القدماء على السنة القمرية كانت السنة المصرية القديمة أقصر من السنة الشمسية بما يقارب ربع يوم، فتراكم ذلك التفاوت مع مرور الوقت، ولأن ظهور الشعرى اليمانية حدث نجمي يتم كل 365 يوم وربع يوما، فلم يتوافق بدقة مع تقويمهم، مما سبب لهم حيرة، ولتصحيح ذلك التفاوت قرروا إضافة شهر إلى السنة كل ثلاث سنوات، لتصبح السنة بها 384 يوما، وتكون "عاما عظيما".

 

في عام 238 قبل الميلاد صدر مرسوم من الحكام البطالمة بتعديل التقويم المصري بإضافة 6 أيام اضافية، بدلا من خمسة، مرة كل أربع سنوات، ليصبح طول العام الواحد 366 يوما بدلا من 365 يوما أي سنة كبيسة، فعارض المصريون ذلك التعديل بشدة، حيث أن أغلبهم كانوا مزارعين، وتلك المواسم الزراعية هي التي شكلت عامهم، ومع ذلك أدخل التقويم السكندري إلى مصر في عام 25 قبل الميلاد، ونفذ بفاعلية.

 

استخدم التقويم المصري على مر العصور فلا تزال الكنيسة المصرية تستخدم التقويم المصري القديم، وكذلك المزارعون المصريون المعاصرون لحساب المواسم الزراعية، ويرتبط التقويم المصري أيضا بالاحتفالات المحلية، مثل الفيضان السنوي لنهر النيل، وعيد الربيع القديم "شم النسيم".

الساعة الشمسية

 

كانت مصر القديمة من أوليات الحضارات التي قسمت اليوم لمعرفة الوقت اعتمادا على مواضع الشمس نهارا وعلى ظهور النجوم واختفائها ليلا، ومن أقدم أشكال الساعات التي استخدمها المصريون القدماء ساعات الظل، والساعات الشمسية، والساعات المائية، ومرخت.

 

اعتمد المصريون القدماء في قياس الوقت أولا على ساعة الظل التي تعتمد على الشمس، وتلك الساعة تستخدم عصا رأسية، ومن خلال طول ظلها واتجاهه، يتمكنون من تحديد الوقت لاحقا تطورت ساعة الظل باختراع الساعة الشمسية، والتي نسبها هيرودوت خطأ إلى البابليين.

 

استخدمت في العصور القديمة أنواع كثيرة من الساعات الشمسية، إلا أن أول ساعة شمسية عرفت أصلها مصري، تقسم الساعة الشمسية النهار إلى أثنى عشر جزءا من خلال قاعدة مسطحة، ويقدر الوقت من خلال ثقب يحمل قطعة خشبية أو معدنية صغيرة مستقيمة، فتمكن المصريون القدماء من تحديد الوقت، في حين يتحرك ظل القطعة الصغيرة بين تلك الأجزاء، ومع ذلك كانت تلك الطريقة تعمل فقط في وجود ضوء الشمس.

 

ولمعرفة الوقت ليلا، استخدم المصريون القدماء الساعة المائية فعلى الرغم من عدم وجود دليل على منشأ أول ساعة مائية، فقد عثر على أقدم ساعة مائية في مصر في مقبرة أمنحتب الأول ويرجع تاريخها إلى عام 1500 قبل الميلاد، تشبه الساعات المائية الوعاء، وبها ثقب صغير في القاع يسمح بتقطر المياه بمعدل ثابت وبينما تتقطر المياه، هناك علامات بالوعاء مقسمة إلى أثنى عشر عمودا لمعرفة الوقت من منسوب المياه.

 

علاوة على ذلك تمكن المصريون القدماء من احتساب الوقت ليلا، بشرط وضوح النجوم في السماء، وذلك باستخدام أداة عرفت باسم مرخت، تطورت تلك الأداة على يد المصريين واستخدمت على الأقل نحو عام 600 قبل الميلاد، وتلك الأداة استخدمت في معرفة الوقت بتتبع محاذاة بعض النجوم، لتقدير الوقت ليلا.

 

كل الحضارات القديمة واجهتها عديد من التحديات، ومع ذلك كانت قادرة على التغلب عليها، وصولا إلى المعدات التي تعمل بالبطاريات في العصر الحديث، ونحن الآن نعد قدرتنا على معرفة الوقت أمرا مفروغا منه، يتم ببساطة عن طريق لمحة إلى الساعة أو إلى الهاتف المحمول، وبالمقارنة مع الماضي سنعلم إننا قد قطعنا شوطا طويلا في هذا المضمار.

منعش رائحة الفم ومعجون الأسنان

 

 

كان قدماء المصريين متخصصين في حل مشاكل الأسنان، ومع ذلك واجهوا مشكلات في إبقاء أسنانهم صحية، لأنهم استخدموا الحجارة في طحن الطعام، كما لم تعجبهم مثل غيرهم رائحة الفم الكريهة، لمحاربة تلك المشكلة أخترعوا أول منعش لرائحة الفم عن طريق غلي اللبان والمرٌ والقرفة، ثم خلطها بالعسل، وتشكيلها على هيئة كريات يمكنهم مضغها.

 

وهناك اختراع آخر ينسب إلى المصريين القدماء في رعاية الأسنان وإبقائها نظيفة، وهو معجون الأسنان، والفرشاة، فكان أول معاجين الأسنان يتكون من مركبات مختلفة شملت قشر البيض والرماد، من المؤكد أن الخلطات المصرية القديمة لمنعشات رائحة الفم ومعاجين الأسنان لم يكن لها نكهة جيدة مثل تلك التي نعرفها اليوم، ولكن ليس هناك شك أنها ساعدت على انعاش رائحة أنفاسهم.

الشعر المستعار وزينة العين

 

ندرك جيدا الشكل التقليدي لقدماء المصريين – رأس أصلع أو مغطى بشعر مستعار – دون أن نفهم الفكرة من وراء ذلك، فقد حرص المصريون القدماء على حلق رؤوسهم تماما خلال فصل الصيف الحار لحمايتها من الآفات، ولأن الصلع لم يكن يعد مظهرا جيدا ابتكر المصريون القدماء الشعر المستعار لحماية رؤوسهم من الشمس أيضا، كلا الجنسين وضع الشعر المستعار في مصر القديمة، عدا الكهنة والعمال وصنع ذلك الشعر المستعار من الشعر البشري وأحيانا كانوا يضيفون إليه أليافا نباتية أو صوف الأغنام لزيادة حجمه.

 

وكانت زينة العين أو الكحل المصري من أهم ما ميز المصريون القدماء أيضا، فاهتم كلا الجنسين من مختلف الطبقات الاجتماعية بتكحيل عيونهم، وصنع الكحل من خلال طحن معادن مختلفة مثل الجالينا التي تعطي اللون الأسود، ثم خلط المسحوق بالماء والدهون الحيوانية، لتجعلها عجينة تلتصق بالجفون، وكان يحفظ بقالب يسمى المكحلة.

 

بالإضافة إلى أغراض الكحل التجميلية والروحية، كان يعتقد أيضا أن له أغراضا طبية عديدة وضحها المصريون في لفائف البردي، فوصف الأطباء المصريون القدماء الكحل في أمراض العيون، حيث أن للجالينا خصائص مطهرة، وعلاوة على ذلك كان المصريون القدماء يضعون الكحل حول أعينهم لحمايتها من أشعة الشمس القاسية ولطرد الذباب.

 

حتى بعد الموت أهتم المصريون القدماء بمظهرهم، فاعتقدوا ان عليهم الظهور في أفضل صورة وقت الحساب وهم يقدمون أنفسهم إلى آلهتهم، لترك انطباع جيد لديها، وقد شمل "كتاب الموتى" وصفا لحاله عند الحساب بأنه يقدم نفسه نقيا ونظيفا ومرتديا الملابس المنمقة، ومنتعلا خفا أبيض، ومزينا عينه، ومتعطرا بأجود أنواع زيت المُر.

 

فكانت النظافة والمظهر الشخصي أمرين هامين لدى قدماء المصريين، وفي وقتنا الحاضر ورث المصريون المعاصرون بعض تقاليدهم، فمازالت بعض الأسر، وخاصة في صعيد مصر، تعتقد في القوى الروحية والطبية لزينة العين وتضع الكحل لأطفالها المولودين حديثا.

 

كثيرا ما نندهش ونتعجب من الاختراعات الجديدة، ونميل الى النظر إلى الاختراعات القديمة بنظرة متعالية، ومع ذلك فإذا نظرنا إلى تراثنا المصري القديم، فسوف نجد عجائب ميكانيكية ومآثر تتعدى فهمنا الحديث، إلا أن تلك الاختراعات نُسيت وطوتها الأيام على الرغم من أنها كانت ذات تأثير كبير في عديد من الحضارات التي تلتها، فتمكنت تلك الاختراعات من البقاء لقرون ومازلنا نراها ونستخدمها اليوم.

 

الحبر الأسود

 

 

التعليقات