قصص دونها الرحالة المصريين إلي بلاد النوبة

جزيرة سهيل: أرض النقوش الجرانيتية القديمة

منذ ألاف السنين، اتخذ المصري القديم تلك الجزيرة مستقرًا لرحلة طويلة تأتي إليه من الشمال أو الجنوب، كان المسافرون إلي بلاد النوبة، أو العائدون من رحلات الصيد أو الاستكشاف من الجنوب، يلجأون إليها للقيام بفريضة الحج باعتبارها جزيرة مقدسة، ليسجلوا علي صخورها المنتشرة علي أرضها مناشداتهم وصلواتهم، كما يسجلون الأحداث والرحلات التي قاموا بها إلي بلاد الجنوب.

 

تقع جزير سهيل علي بُعد أربعة كيلو مترات جنوب غرب مدينة أسوان، وهي جزيرة كبيرة إلأي حد ما، تقع جنوب الشلال الأول، وتحديدًا في منتصف المسافة بين المدينة القديمة وشمال سد أسوان القديم، يجاورها عدد من الجزر الأقل مساحة، كجزر سالوجا، أمبونارتي، إليفنتين، وكيتشنر، والعشرات من الجزر الصغيرة المنتشرة حولهم.

عُرفت جزيرة سهيل قديمًا باسم "ساتس"، أو"ساتيس"، أو "ساتييت"، وهو أحد الألهة في الديانة المصرية القديمة، خُصصت لإله نهر النيل في منطقة الشلال الأول، وقد نشأت عبادتها في مدينة "سوينيت" العتيقة، والمسماة حاليا مدينة أسوان في أقصى جنوب مصر، ويعني اسمها باللغة الهيروغليفية "تنطلق للأمام"، في إشارة واضحة إلى الفيضان السنوي لنهر النيل، وقد كانت في البداية إلهة للحرب، والصيد، والخصوبة وكان يُنظر إليها على أنها أم الإلهة، وحامية للجنوب المصري.

كانت جزيرة سهيل موطنًا للمحاجر المصرية القديمة، وعلي الأخص لاستخراج حجارة الجرانيت، والذي تم استخدم خلال العصور المصرية القديمة المختلفة، وهناك العديد من النقوش في تلك الصخور الجرانيت، وقد قام عالم المصريات الإنجليزي فلندرز بيتري، اثناء زيارته للجزيرة عام 1887، بالتقاط العديد من الصور لتلك النقوش لأول مرة، ليكتشف المئات والآلاف من النقوش والرسوم التخطيطية قام المسافر المصري بنقشها، إما لتأريخ بداية رحتله إلي بلاد النوبة، أو لتسجيل ما شاهده طيلة رحلته قبل العودة إلي مصر، بعض تلك النقوش يسجل الأحداث التاريخية القديمة، أهم لوحة المجاعة، والتي تعود إلي 4600 عام مضت.

يعيش بالجزيرة ما يقرب من 4500 نسمة، ورغم ذلك لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال إحدي قوارب النهر، وذلك من الجانب الغربي للجزيرة، لتبدأ النقوش واللوحات التذكارية في الظهور، إضافة إلي عدد كبير من المنحوتات المحفوظة، يقابلها عدد كبير من النقوش الهيروغليفية المخصصة لخنوم وزومجته أنوكيس، والكثير من الآلهة الأخرى والعديد من الخراطيش الملكية، ويري المؤرخين أن الوقوف أعلي جزيرة سهيل يعطينا فكرة عن خطورة الرحلات النهرية للسفن والمراكب النيلية في تلك المنطقة الوعرة، لذا شعر المسافر المصري بالحاجة إلى حماية الإلهية.

تُعد اللوحة المعروفة بإسم "Famine Stela"، أو لوحة المجاعة، أحد أهم وأشهر لوحات جزيرة سهيل، وتوجد علي قمة التل الشرقي للجزيرة، وتحكي قصة تدور أحداثها في الأسرة الثالثة، ترصد وتوثق سبع سنوات من الجفاف والمجاعة في عهد الملك زوسر، وفي الجزء العلوي من اللوحة، نجد الملك زوسر يقدم القرابين لثلاثة من آلهة المصرية، وهم خنوم وساتيس وأنوخيت، ويعتقد الكثير من المؤرخين أن تلك اللوحة نُحتت في عصر البطالمة الذين حكموا مصر في الفترة من 332 إلى 31 قبل الميلاد، وقد قام عالم الاثار الفرنسي بول بارجيه بترجمة النص في عام ١٩٥٣، في حين يري علماء المصريات كـ"ميريام يختهايم" و"يرنر فيسيشل"، أن كهنة خنوم المحليين قد قاموا بتأليف ذلك النص.

وقد نُقشت لوحة المجاعة من كتلة جرانيتة واحدة، تم قطع سطحها لتشكل قطعة من المستطيل الأملس، تحتوي علي 42 عمودًا نقشيًا باللغة الهيروغليفية، تصور ثلاثة من الآلهة المصرية، وهم "خنوم" وهو إله كان يصور على شكل رجل له رأس كبش وله قرنان، ويُعتقد أنه قام بعملية الخلق المادي للإنسان من طمي النيل على عجلة الفخار، والإلة "ساتيس" إله نهر النيل في الجنوب في منطقة الشلال الأول، والإلة "أنوكيت"، إلهة نهر النيل، واسمها يعني "احتضان" الكثير من الحقول بالقرب من النهر التي اعتنقتها المياه، يقفون ثلاثتهم في مواجهة الملك زوسر، حاملًا في يديه الممدودة إليهم القرابين، وقد تضررت بعض أجزاء اللوحة بفعل أحد الشروخ العميقة، ما جعل بعض المقاطع النصية غير قابلة للقراءة.

أما عن اللوحة فتحكي أنه في العام الثامن عشر من حكم زوسر، قلت مياة النيل ولم يفيض النهر، واستمر ذلك لسبعة سنوات كاملة، ما أدي إلي زيادة الضيق بالبلاد، وقلت الحبوب واستشعر شيوخ البلاد وأطفالها الجوع، حتى الملك نفسه لحقه الهم وناله ما نالهم، فأرسل إلي حاكم البلاد العليا ورئيس معابد الجنوب وأمير النوبيين يطلب منه المساعدة، لذا أشار علية رئيس الكهنة وايمحوتب بتقديم الأضاحي والقرابين إلي أرباب وربات منطقة "أبو" أو أسوان الحالية، وكان الملك زوسر قد رأي في المنام الإله خنوم رب أسوان، فأمر الملك بأن توقف بعض خيرات المنطقة لصالحه، بل وقام بتوسيع رقعة نفوذه ووهب له الكثير من الآرضي زراعية، ولكن الكثير من العلماء والمؤرخين يعتقدون أن تلك القصة من وحي خيال كهنة "خنوم".

المصادر:

  • بي بارجيت، لوحة المجاعة في جزيرة سهيل، المعهد الفرنسي للآثار الشرقية - مكتبة باريس الدراسية، المجلد 34، القاهرة ١٩٥٣.
  • ميريام ليشتهايم، الأدب المصري القديم: العصر المتأخر، مطبعة جامعة كاليفورنيا ، بيركلي 2006.
  • فيرنر فيتشيل ، غابور تاكاكس، الدراسات المصرية والسيميتو الحامية (الأفرو آسيوية): في ذكرى دبليو فيتشيل. بريل ، ليدن 2004 .
  • يواكيم فريدريش كواك، دليل مصري للمعبد وترجمته اليونانية في: مجلة علم البردي والنقوش، المجلد 119، رودولف هابيلت، بون 1997.

التعليقات