عصر ما بعد جائحة كوفيد -19

جائحة كورونا ساهمت في إعادة توجيه انتباه العالم بأكمله من الصراعات السياسية والمنافسات الاقتصادية إلى مكافحة الأمراض المعدية ودعم العاملين في مجال الرعاية الصحية وتقديم الخدمات الاجتماعية، فالتأقلم والتكيف يشكلان بداية الطريق المؤدي الى نجاح سياسات مكافحة تبعات هذه الجائحة!

 

في البداية، ومن خلال خبرتي في الطب المهني، لم أشهد قط هذا الشكل من النشاط التفاعلي للحكومات والمنظمات المعنية أثناء تفشي الأمراض المعدية، مثل داء السارس، ووباء أنفلونزا الخنازير، كتلك التي نشهدها مع جائحة  كوفيد ١٩، فعلي الرغم من الاضطراب الغير مسبق لأنظمة الصحة العالمية منذ أن بدأت الجائحة، إلا أن هناك العديد من التغيرات الايجابية التي يمكن الاستثمار فيها لصالح المجتمعات بشكل ناجح، على سبيل المثال تمت إعادة توجيه إنتباه العالم بأكمله من الصراعات السياسية والمنافسات الاقتصادية إلى مكافحة الأمراض المعدية، ودعم العاملين في مجال الرعاية الصحية، وتقديم الخدمات الاجتماعية.

 

وفقًا لذلك نجد أن عمل المؤسسات أصبح أكثر تعقيدا، وذلك بسبب التحديات المتعلقة بالصحة والسلامة، والضغوط المالية المترتبة للوصول لسلسلة التوريدات لخدمات الإمداد والتمويل "الخدمات اللوجسيتية"، قمن جهة أخرى فأن الآثار قصيرة المدى المترتبة على تلك التغيرات المتعلقة بهذا التحدي واضحة في جميع أنحاء العالم ولكن لا يزال من الصعب التنبؤ بالنتائج طويلة المدى للوباء خاصة على بيئات العمل والفئات المهنية المختلفة.

وفي الواقع كانت ولا تزال آثار هذا التحدي مدمرة للعديد من الفئات والأفراد حول العالم لأنهم يدركون أن عملهم مهدد وأن فرصهم فالبقاء والتكيف تندثر!، فكما يشير الخبراء الدوليون أن الحكومات والمؤسسات سوف تعيد النظر في تقييم سلاسل التوريدات الخاصة بها لصالح المنتجات الصحية ذات الصلة بسبل العيش، ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى زيادة الحاجة إلى انتاج المزيد من الأدوية، والمستلزمات والمعدات الطبية محليًا لتجنب التكلفة المضافة.

 

وحيث أن بعض الدول التي لم يكن لديها القدرة والخبرة الكافية سابقًا في هذه المجالات تسعى لتطويرها، وذلك من خلال استثمارات ضخمة في وسائل البحث الطبية وغير الطبية للوقاية، بالإضافة إلى تحسين نظام إدارة الأزمات تستمر بعض الدول أيضًا في دعم الدول الأخرى المتأثرة بشدة مثلما قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بذلك منذ بداية تفشي المرض، من ناحية أخرى تقوم بعض الدول التي تكبدت خسائر اقتصادية فادحة بسبب الوباء باستخدام النتائج الاقتصادية المترتبة كعذر لقطع الدعم والمساعدة للحلفاء لتأمين احتياجاتها المحلية.

 وبالنظر إلى التغيرات السريعة في أسواق المال العالمية من الناحية الاقتصادية يبدو أن الركود الاقتصادي الإقليمي والعالمي أمر لا مفر منه، ولن يؤثر ذلك فقط على الاقتصاد والاستقرار المالي للمجتمعات فحسب بل سيكون له تأثير كبير على صحتهم البدنية والنفسية على حد سواء، بالإضافة إلى ذلك، فأنه من الآن فصاعدا سيتعين على المنظمات التعامل مع العواقب النفسية للوباء والزيادة المتوقعة للموظفين الذين يشكون من الأرق، الإرهاق، اضطرابات الاكتئاب، والقلق ما بعد الصدمة، ولا يقتصر هذا على موظفي القطاع الحيوي فحسب، بل سيتعين على العديد من المنظمات والشركات الأخرى النظر في سياساتها لضمان الصحة النفسية ورفاهية موظفيها، مع الأخذ في الاعتبار جميع هذه الآثار وانعكاساتها.

 

كما أن القيود المفروضة على الحركة وتعليق طرق النقل التجاري الجوي بها مخاطر وتفرض عوائقا على الوصول للعديد من الأفراد الذين هم في أشد الحاجة للمساعدات الإنسانية، لذا إذا بدأ الوباء بالتأثير على أسواق الغذاء العالمية فسوف يكون التأثير أكثر وضوحا على أكثر الأسواق ضعفاّ، وبملاحظة ردود الفعل الأولية للوباء وكيفية استجابت ومراجعة المنظمات استراتيجياتها وعلاقتها مع شركائها، فمن المتوقع أن يكشف الكثير من هشاشتهم ويقتربوا في النهاية لتقرير مصير مسارهم التنموي واختيارهم أنسب السياسات والشركاء، ليس هذا فقط بل سوف يسلط ذلك الضوء على كيفية ترابط الحكومات والوقوف على نقاط الضعف المشتركة بينها.

بعد أن أتيحت لي الفرصة لاستكشاف آراء الخبراء والمشاهد المرئية لهذه الجائحة، جعلتني المستجدات المترتبة عليها أكثر فضولًا لاستكشاف المزيد عن تأثيرها علي المنظمات وعواقبها وانعكاساتها السريعة عالمياّ، على سبيل المثال لا الحصرآلية الاتصال الرقمي فعلى الرغم من توفرها منذ فترة طويلة لدى العديد من الأفراد والمنظمات، الا انها لم تكن مستغلة بشكل فاعل، ويتم الآن استخدام المؤتمرات عن بُعد والمؤتمرات عبر الفيديو بشكل روتيني، ويبدو أن الأفراد والمؤسسات تتأقلم بشكل جيد وملحوظ مع هذا الآلية من الاتصال، وسوف يمهد هذا الطريق لدعم السياسات التنظيمية بشأن العمل عن بعد، التعليم عن بعد، الوصول السهل والسريع إلى الخبرات الدولية.

 

قريباً سوف يجبر هذا الوباء المنظمات علي إعادة النظر في سياسات وأنظمة الصحة والسلامة المهنية على المستويين الحكومي والتنظيمي، كما أن السياسات واللوائح التي تحكم مسؤولية صاحب العمل سوف تتأثر بشكل كبير وذلك للسيطرة على المخاطر وتقليلها في مكان العمل، وتوفير التأمين الصحي الذي يغطي الأوبئة واتباع المبادئ التوجيهية بشأن توفير واستخدام معدات الحماية الشخصية عند الحاجة.

 

ومن  الأمثلة الأخرى من خلال تصوري الشخصي حول كيفية تأثير وباء جائحة كوفيد- 19 علي بيئات العمل المختلفة أن هناك قائمة طويلة من الوظائف على اتصال مباشر مع الجمهور وهم العاملون في متاجر البيع بالتجزئة ، المطاعم، الوجبات السريعة، خدمات التوصيل، وهم عرضة للخطر المتزايد من التعرض للأشخاص المصابين، وذلك بسبب الكم الهائل من الخدمات اليومية المباشرة التي يقومون بتقديمها كما يعمل آخرون أيضًا على مقربة من عملائهم مثل مصففي الشعر، ومقلمي الأظافر، والعلاج الطبيعي، مما يجعلهم ايضا عرضة للاصابة ونقل العدوى على حد سواء، من ناحية اخرى ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كانت هذه الوظائف ستكون مجزية من حيث عائد الاستثمار إذا فضل العملاء الخيارات الأخرى مثل التسوق عبر الإنترنت أو الخدمة المنزلية، وذلك للحفاظ على مبدأ التباعد الجسدي.

وفي المقابل هناك العديد من الوظائف الأخرى تقل خطر الإصابة بالعدوى من خلالها حيث يتمكن القائمون عليها بالعمل من منازلهم، فليس من الواضح ما إذا كان أرباب العمل سيبدأون في تغيير سير العمل الروتيني لاستيعاب الموظفين العاملين عن بعد، أو حتى النظر في تخفيض الأجور وتفعيل ساعات عمل أكثر مرونة.

 

من ناحية أخرى فإن العديد من أرباب العمل من ذوي الياقات البيضاء، وموظفي مراكز خدمة العملاء، لم يطبقوا سياسات العمل عن بعد، ولم يفكروا بجدية في توفير بيئات عمل صحية وآمنة على افتراض انخفاض مستوى المخاطر في بيئة العمل المكتبية التي يقدمونها، ونتيجة لذلك، نشرت جمعيات ومنظمات الصحة والسلامة المهنية، إرشادات لمساعدة الشركات على الاستجابة للتحديات المتعلقة بالوباء، وحث جميع أصحاب العمل على تطوير خطة التأهب لحالات الطوارئ ، بروتوكولات مكافحة الأمراض المعدية والوقاية منها، برامج مساعدة الموظفين "EAP"، وذلك لمعالجة الأمراض النفسية والصحية، والاستجابة لتزايد التغيب عن العمل وأنماط التجارة المتغيرة.

كما استمرت أو فشلت العديد من المنظمات في مواجهة التحديات بتنفيذ الإرشادات المنشورة، وذلك بسبب نقص المعرفة التقنية والوصول المحدود إلى المهنيين ذوي الصلة بالمجال، وخلق المزيد من فرص العمل حول تشكيل وتنفيذ هذه الإرشادات، خاصة في مجالات إدارة المخاطر والجودة والصحة والسلامة المهنية، وبالنسبة لأولئك الذين لديهم عمليات أكثر تعقيدًا، فان اكتساب الخبرة في إدارة التغيير والتحويل قد يكون ضروريا لمواكبة التحديات المترتبة على الجائحة.

 

مما سبق يتضح أهمية تسليط الضوء على الجهود المبذولة من أنظمة الرعاية الصحية، وذلك للتأقلم مع التغيرات السريعة في كافة المجالات، وفي جميع أنحاء العالم، نظرا لدورهم في طليعة المعركة ضد جائحة كوفيد- ١٩، فقد تبنت أنظمة الرعاية الصحية المزيد من التقنيات والحلول الرقمية التي تمت مقاومتها، أو كانت مهمشة في معظم الأنظمة سابقا.

على سبيل المثال لا الحصر لتقليل فرص تعريض الكادر الطبي لحالات كوفيد- 19، تم العمل على الإستشارات الطبية عن بُعد لتكون فعالة في رعاية وتوجيه الحالات الغير الحرجه بشكل حاسم، كما زاد التواصل مع المناطق النائية لتقديم الخدمات الممكنة عبر الاتصال عن بعد، بالإضافة إلى تقديم الدعم المعنوي، كما تم ايضا تقديم الاستشارات الطبية هاتفيا بشأن الحالات غير الحرجة، كما أصبحت حلول الذكاء الاصطناعي المستخدمة لحل المسائل المعقدة ومتابعة لوحات التحكم لأنظمة الإدارة الخاصة بالتمويل والإمداد "اللوجستي"، والروبوتات المستخدمة للتطهير أو توصيل الأدوية والوجبات، وهي بالفعل تلقى اقبالا متزايدا، وتصبح أكثرجاذبية، وقد تخلق تحولًا كبيرًا في توفير خدمات الرعاية الصحية في المستقبل القريب.

 

وفي هذا الصدد، أود أن أثني على زملائي العاملين في مجال الرعاية الصحية لأنهم يستحقون الاهتمام العالمي والثناء الذي يلقونه،  ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أنهم يواصلون التطلع إلى دعم المجتمعات، ولديهم حاجة ماسة إلى اللوائح والاستراتيجيات لحمايتهم، وذلك من خلال زيادة وعيهم بالمخاطر وتوفير معدات الوقاية الشخصية اللازمة، وبروتوكولات مكافحة العدوى المناسبة والوقاية منها.

هذا لا يعني فقط أنهم معرضون لخطر الاصابة بسبب تفاعلهم المباشر مع الحالات الإيجابية، ولكن قد يساهم ايضا في تقليل فرص انتقال الفيروس من خلال مخالطتهم الاجتماعية مع اسرهم و الافراد فالمجتمع.

 

اجتاحت جائحة كوفيد- 19 العالم، ولاتزال تتحدى العديد من المنظمات والحكومات والأفراد على حد سواء، كما تشير أحدث البيانات العلمية إلى أن فيروس كورونا من المرجح أن يستمر في التفشي لعدة سنوات لاحقة على الأقل، لذا من الضروري التمعن فيما تبرزه الأمثلة والآراء التي تم طرحها، والتي تثبت أنه يمكن خلق العديد من الفرص المثمرة، وذلك على الرغم من القلق المتزايد والشكوك الهائلة المرتبطة بهذا الفيروس المستجد، كما أن التاقلم والتكيف يشكلان بداية الطريق المؤدي الى نجاح سياسات مكافحة تبعات هذه الجائحة!

د/ شيماء عباس لاري

- استشاري الطب المهني – الحاصلة على البورد الكندي

التعليقات



إقراء ايضا