تشكل 90% من مختلف أشكال الحياة علي الأرض

الحشرات.. ممالك هزمت الإنقراض 435 مليون سنة (الجزء الأول)

منذ أكثر من 435 مليون سنة مضت، وقبل ظهور الانسان علي الارض بحوالي 433 مليون سنة، ظهرت الحشرات علي سطح كوكبنا، لتصبح بذلك أحد أقدم الكائنات استيطاناً للارض، عشرات ومئات بل الآلاف من الفصائل والأنواع، تُعد أكبر مجموعة من الكائنات علي سطح الأرض، ويصل حجمها أكثر من مليون نوع مُكتشف، أي ما يقرب أكثر من نصف جميع الكائنات الحية، وهناك مئات الالاف بل ملايين الأصناف الأخرى غير المكتشفة الى الان، كما تشير الدراسات إلى انقراض اعداد كبيرة من الأصناف من الحشرات الزاحفة والطائرة قبل اكتشافها.

 

ومنذ أن ظهر الإنسان علي سطح كوكب الأرض منذ أكثر من مليونين من السنين، كانت الحشرات أكثر الكائنات خبرة بدروب هذا الكوكب الضخم، والأكثر إنتشاراً عليه، لذلك اعتقد الإنسان أن تلك الكائنات الضئيلة مثلت له نوع من التحدي  للسيطرة علي هذا الكوكب، فبدا بينه وبين تلك الكائنات صراعاً لم ينتهي حتي يومنا هذا، ولا يبدوا انه سينتهي للابد.

الحقيقة أن الإنسان كان لديه بعض العذر في معاداته للكثير من تلك الحشرات، فقد رأها كائنات مُضرة لمحاصيلة الزراعية، وكائناتة الحيوانية التي بدأ في تربيتها، إلي جانب فتكها بالإنسان نفسه، ونقل العديد من الامراض والأوبئه, ومن المعروف ان عدد من الحشرات لازم الانسان منذ فجر التاريخ خاصة الحشرات الطفيلية التي تغذى علي دمه مثل القمل والبراغيث والناموس.

 

بداية يجب أن نعلم أن الحشرات حيوانات لا فقاريه من شعبة "مفصليات الأرجل"، واحدة من أكثر الكائنات إنتشاراً في الكرة الأرضية، يُقدر عدد الفصائل غير المصنفة منها بحوالي 30 مليون تقريباً، أي أنها تشكل أكثر من 90% من مختلف أشكال الحياة على الأرض، يمكن أن تراها في أي مكان، وأي بيئة كانت، في الارض والجو وحتي المياة، ففي قاع المحيطات والبحار، هناك أنواع من الكائنات المفصلية الأرجل كالقشريات، والتي تتألف من أكثر من 52 ألف نوع معروف.

عالم الحشرات متعدد الفصائل والنوعيات، ويقدر عدد الأنواع المعروفة وغير المعروفة ما بين 2 إلي 50 مليون نوع، وإن كانت أغلب الدراسات الحديثة تقصرهم علي أقل من 10 ملايين فصيلة فقط، فهناك اليعاسيب والتي يصل عدد أنواعها لأكثر من 5 آلاف نوع، والسراعيف أو "فرس النبي" والذي يصل عدد أنواعه الي ألفي نوع، وأكثر من 20 ألف نوع من الجنادب الشبيهة بالجراد، وأكثر من 170 ألف من فصائل الفراش والعث، وأكثر من 120 ألف نوع من الذباب، و82 ألف نوع من البق الحقيقي، و360 ألف من الخنافس، و110 ألف من النحل والدبابير والنمل.

 

  • 10 ملايين فصيلة إحتلت اليابسة وغزت المحيطات والبحار.. استوطنت الجبال وإخترقت باطن الأرض.

 

ما بين الطويلة والقصيرة، الضخمة والضئيلة، الخفيفة والثقيلة، تختلف الحشرات في عالمها، وإن كان غالبية الحشرات البالغة لا يتخطي أطوالهم حاجز 0.139 مليمتر، كما في حشرة الـ"يرعة"، أو الخنافس المضيئة، ويصل في بعض الحشرات إلي أكثر من 55 سنتيمتر، كما في "الشبحيات" أو الحشرة العصوية، أما بالنسبة للأحجام والأوزان، فهناك الحشرات العملاقة والتي تصل الي 70 إلي 100 جرام، كما في حشرة "الويتا العملاقة" المهددة بالانقراض، وحشرة "الخنفس الجالوت"، وإن كان هذا لا يعني أن نسبة كبيرة من الحشرات لم تُكتشف بعد.

حالة من العداء المتبادل كما قلنا انتابت العلاقة بين الانسان والحشرات، فتلك الكائنات الضئيلة لم يلتزم بعضها حسن المعاملة، فراح يسبب أضرار لكل ما يزرعة الإنسان، بل ساهم في نشر الكثير من الفئات والأوبئة، كما ساهم في توفير بيئة ملائمة لانتشار بعض الحشرات الأخري، كالـ"اكاروسات"، و"القوارض"، وبعض الآفات مثل دودة ورق القطن, ودودة اللوز الامريكية وجاسيدا القطن، بالإضافة إلي بعض الافات الحيوانية مثل العنكبوت الاحمر والفئران والعصافير.

 

رغم ما سبق، إلا إن أغلب الباحثين رأوا أن تلك الكائنات الضئيلة، رغم تلك الحالة من العداء، قدمت الكثير من الخدمات لبني الانسان، يكفي علي سبيل المثال دورها في حل اشكالية التكدس النباتي علي الارض، فالحشرات تلتهم الكثير من النباتات يوميا، وبشكل أكبر من كل الكائنات مجتعة، ولولاها لغطت تلك النباتات الارض، كما ان دورها في تخليص الأرض من الجيف من الحيوانات الميته مهم أيضاً، والأكثر من ذلك ان بعض تلك الحشرات قدمت نفسها مصدراً رئيسيا كغذاء لبعض الحيوانات الأخري.

لا يجب أن ننسي أن هناك الكثير من الطرق المباشرة التي تقدم من خلالها تلك الحشرات فائدة حقيقية، فتقدم له العسل والشمع والحرير وغيرها من المنتجات، كما أنها تساهم بشكل مباشر في تلقيح النباتات لتنتج ثمارها، كما أنها تشكل عداء طبيعي للحشرات التي تتلف الزراعة، ويكفينا ان نعلم أن ثلث طعام الأمريكيين ينتجه النحل، لأنه يلقح الزهور التي تنتج الفواكه والخضروات، سواء عن طريق النباتات أو عن طريق الأشجار نفسها

 

  • المصريون القدماء قدسوا الخنفساء أو "الجعران".. ونصبوا "النحلة" رمزاً مقدساً لمصر السفلي.

 

في كتابه "الموسوعة الشاملة للحضارة الفرعونیة"، تحدث عالم المصريات الفرنسى الشهير "جى راشيه" عن تأثير الحشرات في الحضارة المصرية القديمة، فقد ذكر أن الكتابات الھیروغلیفیة تحدثت عن البعض منھا، وتراءت الذبابة "آتف" بأعداد كثیرة، فى البیوت، والشوارع، والقرى، والصحاري، وأظهرت الكتابات مدي تأفف البشر والحيوانات علي حد سواء منها، بعكس النحلة "بيت"، والتي تركوها تتكاثر وتستوطن الدلتا، لانها تمدهم بكميات ضخمة من العسل، والذي احتل المكان الرئیسى بمطابخ قدماء المصريین، ما جعلها رمزاً مقدساً لمصر السفلي، بل وتم دمج إسمها في تركیبة لقب ملك مصر العلیا والسفلى.

لم تحظي حشرة في التاريخ الإنساني كما حظيت الخنفساء، أو "الجعران"، فقد احتلت مكانة مرموقة ومتمیزة، أطلق عليها القدماء المصريين اسم خِپـرر، وعندما بدأ ظهور الكتابة أستخدمت صورته لكتابة كلمة معقدة هي الفعل خبر، بمعنى "يأتي إلى الوجود"، ثم صارت بمعنى "يكون"، أو "يصير"، ومن بين الصور الغريبة المحفوظة في وادى الملوك، خنفساء ضخمة سوداء تخرج من الرمل تسحب كرة متوهجة، وقد فسرها "بلوتارخ" قائلاً: "أما عن خنفساء الجعران فالمعتقد أنه ليس لها إناث وكل الجعارين ذكور، فتضع بذرتها في حبة من مادة تشكلها على هيئة كرة، وتجرها وراءها، وهي تدفعها بأرجلها الخلفية، محاكية بفعلها هذا مسيرة الشمس من الشرق إلى الغرب".

 

هناك أيضاً حشرة الحريشة، أو ما يُطلق عليها "أم أربعة وأربعین"، ولكنها لم تكن بالكثافة العددية في مصر القديمة، بعكس "الجراد" الذي كان يشكل اسراباً هائلة العدد، كثيرا ما كانت تھاجم المحاصیل الزراعیة، لذلك أُعتبر ضمن آفات مصر وكوارثھا الكبرى، بل وذكرته أحد فصول "التوراة"، و"النمل الأبيض" الذى تسبب بنھمه وشراھته الفائقة في القضاء علي كل المصنوعات الخشبية، حتي أن بعض المؤرخين أكدوا علي أنه السبب الرئيسي في القضاء علي  كافة الأجزاء الخشبیة بالمعمار المصرى القديم.

إذا كانت هناك حشرات مفيدة للانسان، أو مُهلكة للحاصلات الزراعية، فهناك أيضاً حشرات مُميته، أو سامة، ورغم أن البيئة المصرية غير مؤهلة لحضانة الحشرات الضارة، إلا أنها تحتوي العديد من الفصائل السامة حد الخطورة، وقد كشفت إحدي الفرق العلمية بكلية العلوم بجامعة عين شمس، قامت بحصر أنواع الحشرات السامة واللاسعة في البيئة المصرية، وجود ما يقرب من 1300 نوع من الحشرات السامة واللاسعة، أي ما يقرب من ثُلث الأنواع المُسجلة بجمعية الحشرات المصرية، زتاني تصل إلي 4 الاف نوع، وأن حوالي 1155 نوعا منها تنتمي لعائلة غشائية الأجنحة، كالنحل والدبابير والنمل، و147 نوعا تنتمي لعائلة غمدية الأجنحة كالخنافس.

 

الفريق العلمي المصري برئاسة الدكتور حسن فضل ومساعدية الدكتورين محمود صالح بعلوم القاهرة ورويدا صلاح بعلوم قناة السويس، أكدا أن جهاز السم في هذه الحشرات يتكون من الة وضع البيض، والتي تحورت لتخصص في تكوين وحقن السم، وهو الامر الذي يعني ان آلة اللسع في الحشرات توجد فقط في الإناث وليس في الذكور.

 

أما عن السُم فيتكون في غدتين حمضيتين تفتحان في كيس السم، والذي من خلاله يتم خلط هذه المكونات الحمضية، مع إفرازات غدة قاعدية، فعلي سبيل المثال سم النحل يتكون من بروتينات وإنزيمات تحث الجسم على إخراج "الهستامين"، الأمر الذي يسبب تفاعلاً موضعياً والماً وحكة وانتفاخاً، او ورما في مكان اللسع، وان كان نحل العسل يترك كيس السم تحت الجلد المصاب عند اللسع، ويقوم الكيس بتفريغ مكوناته تدريجياً داخل الجسم، في حين لا تترك الحشرات الأخرى أي بقايا داخل جسم المصاب بعد عملية اللسع، وتنقسم السموم الى أربعة أنواع، سموم موضعية وتتميز بها الخنافس وسموم عصبية ويتميز بها النحل والدبابير، وسموم محللة تقوم بتحليل كرات الدم والأنسجة، وتتميز بها حشرة النمل الناري، ثم سموم مانعة للتجلط وتتميز بها القمل والبراغيث والنقب والبعوض.

إسلام فتحي سعد

ماجستير العلوم في الحشرات الطبية

كلية العلوم – جامعة الأزهر

EMAIL:dar_el7elm@hotmail.com

مجلة علمية معرفية وثائقية تتناول الشخصية المصرية