110 عام من المُلتقيات الثقافية

مقهى ريش.. مُلتقي المفكرين والمثقفين شاهد علي التاريخ

أحياناً نشعر بالحنين إلي الماضي حين نبتعد عنه في زحمة الحياة، ودائمًا ما تُذكرنا رائحة المكان بأجيال كثيرة مضت من العظماء الذين ارتادوا هذا المكان وأصبحوا جزءًا منه، بل جزء من تاريخ مصر الحديث والمعاصر، فداخل جدرانه شهدت مصر العديد من الحركات الثقافية والأدبية، والتي ساهمت في تطور المدنية الحديثة، ما جعله يخرج من كونه مجرد مقهي ثقافي، إلي إشعاع ثقافي بوسط العاصمة، إنه مقهي ريش.

 

أثناء مرورك بشارع طلعت حرب، لابد أن يستوقفك ذلك المقهي بطرازه العتيق، يدعوك دائمًا لدخوله، لتكون علي موعد مع الثقافة والأدب والفن، يظهر ذلك من خلال جدرانه التي مُلئت بصور الأدباء والمفكرين والفنانين، فهناك نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وأمل دنقل، ويحيى الطاهر عبد الله، وصلاح جاهين، وثروت أباظة، ونجيب سرور، وكمال الملاخ، والمثّال كامل جاويش، والرسام أحمد طوغان، وحافظ إبراهيم، أم كلثوم، كل صورة منها حكاية مصرية تؤرخ لتاريخ مصر الثقافي طيلة أكثر من قرن مضي.

تأسس مقهي ريش عام 1908، وطيلة أكثر من 110 سنة مضت، ساهم المقهي في الكثير من الأحداث التي مرت علي أرض مصر، يكفي دورها البارز في ثورة 1919، فعقب زلزال عام 1992، وأثناء ترميم أحد جدران المقهي، اكتشف العمال سرداب سري يصل إلي أحد الغرف، وداخل تلك الغرفة وجد آلات طباعة يدوية وعدد كبير من المنشورات السرية المؤيدة لثورة الشعب المصري المساندة لسعد باشا زغلول.

كل شيء داخل مقهي ريش مازال يحتفظ بعاداته وتقاليده القديمة، بمجرد أن تطأ بقدميك بوابته الرئيسية ستتنفس رائحة التاريخ، بدءًا من عم فلفل، ذلك الجرسون العجوز الذي اضحي جزءًا أصيلًا من المقهي، علي تجاعيد وجهه الأسمر تقرأ خمسين عام من تاريخ ذلك المقهي، بطاقته الشخصية تحمل إسم محمد حسين صادق، جاء من أقاصي صعيد مصر، تحديدًا من بلاد النوبة، طيلة عمله اكتسب حب واحترام الزبائن من الأدباء والمثقفين، فكانت مكافأته حينما خلده المقهي ببورتريه كبير له، جعلوه يتصدر مدخل المقهى ويحمل عبارة القدوة.

"يعيش المثقف في مقهي ريش محفلط مزفلط كثير الكلام.. بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح يفبرك حلول المسائل أوام".. هكذا كتب الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم قصيدته الشهيرة، فقد كان رواد مقهي ريش من كل الفئات الثقافية، المهتم بالثقافة والسياسة، والمهتم بالثقافة فقط، وكلا الفئتين من وجهة نظر شاعر العامية لا ينتمون لعالم المثقفن المؤثرين، رغم ذلك كان المقهي المُحبب لأديب نوبل نجيب محفوظ، حيث اتخذه مقرًا لجلسته النقاشية الإسبوعية، ما شجع الكثير من المفكرين والأدباء والمثقفين طيلة خمسينيات وستينيات القرن الماضي ليتخذوه مقرًا لهم.

التعليقات