يضم 1200 تمثالًا علي جانبيه

طريق الكباش: خمسة آلاف من الإحتفالات الدينية

منذ ما يقرب من خمسة آلاف عام مضت، بدأ ملوك مصر القديمة في بناء طريق يربط بين موقعي معبدي الأقصر والكرنك، والذي لم يكونا قد تم البدء في بنائهما بعد، فقد كانت أرض الكرنك تعد أرضًا مقدسة، فوبدو أن شكلاً من أشكال عبادة الإلة أمون قد اتخذ من الكرنك مكانًا لها قبل توحيد البلاد، فقام المصريون ببناء طريق الكباش لتسير به المواكب المقدسة للملوك والآلهة في احتفالات عيد الإوبت أو مهرجان الإبت من كل عام، وهو وفيه كانت تُصطحب تماثيل آلهة ثالوث طيبة، آمون وموت وابنهما خونسو، ويتم اخفائهم عن الأنظار داخل مراكبهم المقدسة في موكب احتفالي كبير.

 

وقد أطلق المصري القديم على هذا الطريق، والذي يبلغ طوله حوالي 2700 متر، وذو عرض يصل إلي 76 مترًا، اسم " وات نثر" أو " WAt-nTr"، وتعني طريق الإله، أما طريق الكباش في معابد الكرنك فقد عرف باسم " تا ـ ميت - رهنت"، وتعني طريق الكباش، ويتكون الطريق من رصيف من الحجر الرملي تتراص على جانبيه تماثيل على هيئة أبو الهول برأس كبش، والتي يبلغ عددها 1200 تمثال.

تم نحت تماثيل الكباش من كتلة واحدة من الحجر الرملي، ذات كورنيش نقش عليه اسم الملك والقابه وثناء عليه، مقامه على قاعدة من الحجر مكونة من 4 مداميك من الحجر المستخدم نظرا لوجود بعض النقوش وقد تقام علي هيئتين : الأولي: تتخذ شكل جسم أسد ورأس إنسان (أبو الهول) الثانية: تتخذ شكل جسم الكبش ورأس كبش، تحيط بها أحواض زهور ومجاري للمياه لريها ويتوسطه أرضية مستطيلة، ذات أبعاد يبلغ أطوالها ‏120 في ‏230‏ سنتيمتر من الحجر الرملي لتسهيل السير عليه وبين كل تمثال وتمثال فجوة تقدر بأربعة أمتار.

بدأ العمل علي إنشاء طريق الكباش في عهد الملك امنحوتب الثالث، تاسع ملوك الاسرة الثامنة عشر، بل ومن أعظم حكام مصر على مر التاريخ، وقد حكم مصر خلال الفترة ما بين عامي ١٣٩١ و١٣٥٣ قبل الميلاد، أي أنه حكم لما يقرب من ٣٨ عامًا، وكأن قد ساهم في بناء العديد من المعابد في الكرنك، خاصة معبد الإله "مونتو"، أله الحرب، ومعبد آخر للآلهه موت زوجة الإله آمون رع، قبل أن يبدأ في تشييد معبد الأقصر، وطيلة 1000 عام استمر العمل في طريق الكباش، حتي حظي الملك نختنبو الأول مؤسس الأسرة الثلاثين، والذي حكم 18 عام خلال الفترة من 380 و362 قبل الميلاد، بشرف الإنتهاء منه، فقد كان بانيًا ومرممًا رائعًا، إلى حد لم تره مصر منذ قرون.

أما عن السبب الحقيقي لإختيار الكباش، فقد تم اختيارها لأسباب دينية، فالكبش في الحضارة المصرية رمز من رموز الإله خنوم  أو غنوم، إله كان يصور على شكل كبش، أحد الآلهة الرئيسية في الديانة المصرية القديمة، وطبقا للمعتقد المصري القديم كان يقوم بعملية الخلق المادي للإنسان من طمي النيل على عجلة الفخار، طيلة ألف عام أضاف المعماري المصري الكثير من الملحقات لطريق الكباش، لذا حظي الطريق بالعديد من الإستراحات المخصصة للزوارق، بالإضافة إلي مقياس للنيل، ومعاصر للنبيذ المستخدم في الإحتفالات الكبرى، والتي كانت تقام على الطريق، علي رأسهم أعياد الإبت، عيد الوادي الجميل، وغيرها من الأعياد، كما تم إنشاء مجموعة من الحمامات وأحواض الإغتسال، ومنطقة لتصنيع الفخار، ومخازن لحفظ أواني النبيذ.

منذ ما يقرب من سبعة عقود تمكن الآثري المصري الدكتور زكريا غنيم من اكتشاف طريق الكباش، وذلك في عام 1949، حيث اكتشف ثمانية تماثيل لأبي الهول، وبعد عشرة سنوات تمكن الدكتور محمد عبد القادر من اكتشاف 14 تمثالا، وذلك في عام 1960، وبعد أقل من أربعة سنوات أعلن الدكتور محمد عبد الرازق عن اكتشاف 64 تمثالا أخرًا، وذلك في عام 1964، وبعد فترة توقف قام الدكتور محمد الصغير بالكشف عن أجزاء مختلفة من الطريق في منتصفه وعند بدايته بجوار معبد الكرنك، حيث قام بالكشف عن الطريق الممتد من الصرح العاشر حتى معبد موت والطريق المحاذي باتجاه النيل، وذلك خلال الفترة من السبعينات حتي عام 2002.

وفي عام 2006 قام الدكتور منصور بريك، بإعادة إعمال الحفر للكشف عن باقي الطريق بمناطق خالد بن الوليد وطريق المطار وشارع المطحن بالإضافة إلي قيامة بصيانة الشواهد الأثرية المكتشفة ورفعها معماريا وتسجيل طبقات التربة لمعرفة تاريخ طريق المواكب الكبرى عبر العصور، إلي أن توقف العمل بعد ثورة يناير لنقص الاعتمادات المالية، وذلك في عام 2011.

المصادر:

  1. جورج بوزنر، معجم الحضارة المصرية القديمة، ترجمة سلامة أمين،الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأول 1996.
  2.  د. سيد توفيق ، تاريخ العمارة في مصر القديمة لسيد توفيق، كلية الآثار جامعة القاهرة، دار النهضة العربية، الطبعة الأولي ١٩٩٠.
  3.  بيرند فيتزنر، كورت هاينريش، ودينيس لا بوشارديير، أضرار التجوية على آثار الحجر الرملي الفرعوني في الأقصر - مصر، المبنى والبيئة، ٢٠٠٣.
  4.  محمد عبد القادر، آثار الأقصر- الجزء الأول: معابد آمون، الهيئة المصرية للكتاب، الطبعة الأولى 1982.

التعليقات