لم تفرق بين الملوك والعامة

برديات: قصائد الحب والعشق تحكي عن غرام المصريين القدماء

"لقد أثار حبيبى قلبى بصوته، وتركنى فريسة لقلقى وتلهفى، إنه يسكن قريبًا من بيت والدتى، ومع ذلك فلا أعرف كيف أذهب نحوه، ربما تستطيع أمى أن تتصرف حيال ذلك، ويجب أن أتحدث معها وأبوح لها، إنه لا يعلم برغبتى فى أن آخذه بين أحضانى، ولا يعرف بما دفعنى للإفصاح بسرى لأمى، إن قلبى يسرع فى دقاته عندما أفكر فى حبى، إنه ينتفض فى مكانه، لقد أصبحت لا أعرف كيف أرتدى ملابسى، ولا أضع المساحيق حول عينى، ولا أتعطر أبدا بالروائح الذكية".

 

منذ أكثر من ثلاثين قرنًا مضت، تحديدًا في عهد الأسرة التاسعة عشر، كُتبت تلك القصيدة الغزلية، وقد دونت بردية "شستر بيتى" تلك الكلمات التي تعبر عن مشاعر الحب الحميمة، وجاءت القصيدة تحت عنوان "العاشقة العذراء"، ومن خلال كلماتها نستشعر مدي رهافة المشاعر الإنسانية لدى المصري القديم المحب، سواء كانت امرأة أو رجلًا، كما أنها أظهرت مدي الحرية التي تمتعت بها المرأة المصرية، وذلك في التعبير عن كوامن روحها تجاه حبيبها الذى أثارها بصوته، ثم مضى تاركًا إياها فريسة للقلق واللهفة.

ظل الحب عند المصريين القدماء محفزًا لابتكار أساطير عديدة، وأشعار وأدبيات بلورت صورة أقرب لمشاعر المصري القديم، وبمختلف المفردات والصور البلاغية، مجسدا لها بكل ما ملكه من إمكانات مادية، هكذا أكدت دراسة المؤرخ والباحث الآثري المصري فرنسيس أمين، مبينة أن العديد من البرديات المصرية، والتي تنتمي لمختلف الأسر المصرية، تضمنت عددا من القصائد، أهمها علي الإطلاق برديات، هاريس 500، وشستر بيتى، وهما موجودتان بالمتحف البريطانى بإنجلترا، وبردية تورين، المحفوظة فى متحف تورين بإيطاليا، بالإضافة إلي إناء فخارى تم تجميعه من 31 قطعة، مسجل عليها قصائد شعرية غزلية ويوجد فى المتحف المصري.

 

  • "هاريس وشستر بيتى وتورين" أظهرت عشق الملوك.. والعامة لم يمتلكوا سوي الشعر ليعبروا عن حبهم.

 

أهم ما لفتت إلية الدراسة البحثية، أن المصريين القدماء، رغم ما عُرف عنهم من جدية العلم والعمل، قد بنوا حضارتهم العظيمة بالحب، الذي احتل مكانة كبيرة وجدانهم، وأنهم عرفوا قصائد الحب والغزل وقاموا بتعليمها لأبنائهم، فقد كانت جزءاً أصيلًا من ثقافتهم، لذا درسوا قصائد المحبين في المدراس، وكانت الربة "حتحور" معبدها في "دندرة" تمثل الحب وراعية للمحبين، فهى سيدة الحب، والذهب والفيروز، وكان معبدها الذى بُني في عزلة قرب الصحراء، على بُعد 60 كيلو متر شمال، بمثابة رمز للحب والزواج.

أوراق البردي وقطع الأوستراكا المصرية سالفة الذكر، سجلت الكثير من قصص الحب وقصائد العشاق في مصر القديمة، يجاورها نقوش لرمز الحب في مصر، شجرة الجميزة، إذ كانت بظلالها الوارفة، وجذوعها الكبيرة والمتعددة والمجوفة، بمثابة ملاذ للعشاق يلتقون في ظلاله ووسط جذوعه وتجويفاته، وقد عاشت تلك القصائد والنصوص الأدبية التي تركها قدماء المصريين آلاف السنين، لتؤرخ لنا الكثير من الحكايات، والتراتيل، والنصوص الأسطورية وقصص الرحلات والمغامرات، بجانب حكايات المحبين وأشعار العشق وحكايات خرافية فائقة الخيال.

 

"هبة السماء تسكبه الطبيعة في كأس الحياة لتلطف مذاقها المرير".. هكذا عرف المصريون القدماء الحب، لذا خلدهم التاريخ كأول من تفاخر بعاطفة الحب وخلدوها في عالم الأحياء على جدران معابدهم وأحجارهم وقبورهم، ليحيا الجميع بالحب في العالم الآخر، وقد عرفت مصر القديمة أنواعًا مختلفة من أدب تنظيم الشعر وقصائد الحب، ويمكن ملاحظة ذلك في برديات الملاح الغريق، القروى الفصيح، سنوهى، الأمير المسحور، الأخوين، خوفو والسحرة، بالإضافة إلي أدب الرسائل.

الغريب أن المصري القديم، ووفقًا لتلك القصائد التي جاءت في تلك البرديات، أظهر مدي احترام المصريين للمرأة، فحتي في قصائدة لا يناديها دون لقب ينفرد بذكره، وقد حفظ لنا ذلك الأدب العديد من الألقاب، فهناك من اطلق ألقابًا علي الملكة أو المحبوبة أو الزوجة، تؤكد مكانتها في القلوب من بينها، كلقب جميلة الوجه، عظيمة المحبة، المشرقة كالشمس، منعشة القلوب، سيدة البهجة، سيدة النسيم، سيدة جميع السيدات، جميلة الجميلات، سيدة الأرضي"، وغيرها من الألقاب الواردة في الكثير من نصوص الأدب المصري القديم بحسب السياق والمناسبة.

 

  • المعابد وثقت الحب والعشق بـ"نقش الورد".. ورمسيس ونفرتاري أول قصة غرام خلدها التاريخ.

 

 

أما إذا ما استعرضنا بعض من تلك القصائد، فقد أثبتت أن الحب كان الدافع الرئيسي لابتكار العديد من الأساطير، وأن أشعاره وأدبياته بلورت صورة أقرب لمشاعر المصري القديم بمختلف المفردات والصور البلاغية، مجسدا لها بكل ما ملكه من إمكانات مادية، وقد ظهر ذلك بشكل واضح في بردية شستر بيتى، والتي تُعد النموذج الأمثل لقصائد الحب والغرام والمشاعر الحميمة، وقد ظهر ذلك فى ترنيمة نفتيس إلى أوزوريس، وذلك حينما قال: "أحضر توا يا سيدى يا من ذهبت بعيدًا، أحضر لكى تفعل ما كنت تحبه تحت الأشجار، لقد أخذت قلبى بعيدًا عنى آلاف الأميال، معك أنت فقط أرغب فى فعل ما أحب، إذا كنت قد ذهبت إلى بلد الخلود  فسوف أصحبك، فأنا أخشى أن يقتلنى طيفون "الشيطان ست"، لقد أتيت هنا من أجل حبى لك، فلتحرر جسدى من حبك".

أما قصيدة إيزيس العاشقة الأولي، والذي دونتها ببردية برلين رقم 3008 تحت عنوان، النداء الأبدي، فقد جاء فيها: تعالى نحو بيتك تعالى إلى بيتك، أنت يا من لا أعداء له، أيها الشاب الجميل الطلعة، تعالى بيتك لكى ترانى، لا تفترق عنى أبدًا، أنا لا أراك ولكن قلبى يتطلع للقياك، وعيونى تبحث عنك، تعالى يا من توقف قلبه عن الخفقان، إننى أناديك ويرج صراخى أجواء السماء، ولكنك لا تسمع صوتى، أنت لم تحب امرأة أخرى سواى

 

الحقيقة التي تؤكدها النقوش والبرديات أن التاريخ المصري يزخر بقصص الحب، علي الأخص بين الملوك والملكات، علي الأخص خلال عهد الأسرتين 18 و19، فقد كانت هناك قصة حب الملك أحمس الأول وزوجته أحمس-نفرتاري، وقصة حب الملك أمنحوتب الثالث وزوجته الملكة تيي، وقصة الملك أمنحوتب الرابع "أخناتون" وزوجته نفرتيتي، والذي خلد حبه باستخدام أساليب فنية جديدة لم يألفها الفن المصري قبلها، جنح فيها الفنان بأمر الملك إلى تصوير الزوجين في العديد من جلسات الحب الأسرية محاطين ببناتهم الست، مريت آتون "محبوبة آتون"، و ميكت آتون "المحمية من آتون"، و عنخ إس إن با آتون "إنها تحيا من أجل آتون"، ونفر نفرو آتون "جميل هو كمال آتون"، ونفر نفرو رع "جميل هو كمال رع"، وستب إن رع "اختيار رع".

أما قصة الحب الأجمل علي الإطلاق والتي جمعت بين الملك رعمسيس الثاني وزوجته الجميلة نفرتاري، والتي ظل يكن لها عظيم الحب والمودة بلا منازع لها حتى وفاتهما، فطبقًا لـ"كلير لالويت" في كتابها "إمبراطورية الرعامسة"، لم تكن نفرتاري من أصول ملكية، بل كانت نبيلة النسب، تعود أصولها على الأرجح إلى طيبة، وتصورها نقوش معبد الأقصر ممشوقة القوام بجوار العاهل الملكي، وتظل بجواره في التماثيل الجماعية المنحوتة في حجر الغرانيت والقائمة في الفناء الأول من المعبد، وقد جهز رعمسيس الثاني من أجلها في وادي الملكات أجمل المقابر، حيث تصور الملكة المحبوبة مرتدية ثياب الكتان الناعم، وتزدان بالحلي الملكية النفيسة، تصاحبها الآلهة وهي تؤدي شعائر تجعلها خالدة خلودا أبديا.

 

أما الشعوب، فلغرامهم طابع أخر، فرغم توافر الإمكانات المادية لدي الملوك والأغنياء التي ساهمت في تخليد قصص عشقهم، لم يمتلك الشعب البسيط سوي الحب ليقدموه لأحبائهم، وكانت القصائد والشعر هي ملاذهم الوحيد للتعبير عن مكنون مشاعرهم، فقد كان الحب بالنسبة لهم أشبه بمخلوق إلهي، بل أعتبروه الكون نفسه، لذا أظهرت القصائد مدي فرح لقاء المحبين والعاشقين، إذ يرى العاشق حبيبته كأنها الطبيعة وملذاتها الطيبة، يقع في شراكها كما يقع الطير في يد صائدة الطيور، وقد ترجمت لالويت إلي اللغة الفرنسية في كتابها "نصوص مقدسة ونصوص دنيوية"، بعض كلمات العشق، "ثغر حبيبتي برعم زهرة لوتس، نهدها ثمرة طماطم، جبينها حلقة من خشب السنط، وأنا أوزة برية، أتطلع بنظراتي إلى شعرها المسترسل، كأني طُعم في شرك وقعت فيه".

وفي كتاب لالويت "الأدب المصري القديم"، بينت مدي ثراء المصري القديم أدبيا ولغويًا في تعبيره عن عاطفته تجاه حبيبته، حينما نراه متغزلًا في أهم صفاتها، فيقول، "إنها الحبيبة المثلى، ليس كمثلها أحد، إنها أجمل النساء، أنظر!، إنها كالنجم المشرق في مطلع سنة سعيدة، إنها متألقة وكاملة، بشرتها نضرة، نظرات عينيها فاتنة، تسحر بكلمات شفتيها، عنقها طويل، ونهدها متفجر، وشعرها من اللازورد الأصلي، ساعدها أروع من الذهب، أناملها أزهار لوتس، لها ساقان هما الأجمل بين كل ما هو جميل فيها، نبيلة المظهر عندما تمشي على الأرض".

 

"أنا صديقتك الأولى، أنظر!، أنا كالبستان الذي زرعته زهورًا، بكل أنواع العشب العطر الرقيق، جميل هو المكان الذي أتنزه فيه عندما تكون يدك في يدي، جسدي في غاية الراحة، وقلبي مبتهج لأننا نمشي معا، أنا أحيا بسماع صوتك، وإذا نظرت إليك، فكل نظرة بالنسبة لي أطيب من المأكل والمشرب"، هكذا سجلت المرأة المصرية فرحة لقاءها بحبيبها، والإستمتاع معه بجمال الحدائق الغناء، ما يؤكد مدي تحررها في حديثهاعن حبها.

 

  • المصريين درسوا قصائد المحبين في المدراس.. واتخذوا من "حتحور" ربة للحب وراعية المحبين.

 

طيلة ثلاثة آلاف عام، هي عمر الدولة المصرية القديمة، سجلت البرديات والنقوش تلك المشاعر التي تمتع به إجداد المصريين بمختلف طبقاته، ملوك وبُسطاء، وقد أظهرت العشرات من الدراسات والأبحاث الآثرية الكثير والكثير من صور ذلك الحب الذي عاشوه، ما دعا عالم الآثار الفرنسي بيير غريمال يقول: "إن التاريخ المصري القديم، والذي ننهمك في دراسته بكل ما أوتينا من ولع وشغف، لن يصل أبدًا إلى نهايته، يجمع يوما بعد يوم عناصر جديدة تنبثق دون توقف من وسط الرمال".

مؤلفات المؤرخة الفرنسية وعالمة المصريات كلير لالويت، Claire Lalouette
1)    النصوص المقدسة والنصوص الدنيئة من مصر القديمة، المجلد 2: الأساطير والحكايات والشعر، غاليمار، باريس، 1987، ترجمة ماهر جويجاتي.
2)    الأدب المصري، رقم 1934، مجموعة. Que sais-je، PUF، Paris،1981، ترجمة ماهر جويجاتي.
3)    إمبراطورية الرعامسة، تاريخ الحضارة الفرعونية، المجلد الأول، سنة ١٩٩٥، ترجمة ماهر جويجاتي.
4)    مذكرات رمسيس الكبير، Éditions de Fallois، باريس، 1993، ترجمة ماهر جويجاتي.
5)    حكايات وقصص من مصر القديمة، فلاماريون، باريس، 1995، ترجمة ماهر جويجاتي.

التعليقات