"تحتمس الرابع" أول المهتمين و"خع إم واست" أول مرمم للآثار

الايجيبتولوجي.. العلم الذي سيطر عليه الأجانب (1 - 3)

"وجدتها.. وجدتها.. اكتشفت معاني حروف ذلك الحجر.. سنفهم تلك الحضارة العريقة".. في ليلة حارة من ليالي صيف عام 1822، وبتلك العبارات المتقطعة، راح الباحث الفرنسي "جون فرانسوا شامبليون" يقفز صائحاً بسعادة بالغة، بريق عينيه يوحي بأنه توصل الي كشف عظيم، أو ربما هو أعظم كشف في تاريخ الإنسانية كلها.

 

قبل تلك اللحظة بأكثر من عقدين من الزمن، وتحديدا في شتاء العام الثاني للحملة الفرنسية عام 1799، وأثناء تفقد الملازم "بيير فرانسوا بوشار" قلعة "جوليان" والتي تقع على بُعد كيلومترين من مدينة رشيد، عثر علي نصب تذكاري من البازلت الأسود، صغير نسبيا، ارتفاعه 113 سنتيمتر، عرضه 75 سنتيمتر، سمكه 27.5 سنتيمتر، يحتوي نقوشاً كُتبت سنة 196 قبل الميلاد، أي في عهد الدولة البطلمية، عبارة عن مرسوم ملكي صدر في مدينة منف، من ثلاثة نصوص، النص العلوي هو اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية، والجزء الأوسط نص الديموطيقية، والجزء الأدنى اليونانية القديمة.

في تلك الغرفة، داخل المعمل الفرنسي، وبعد سنوات طويلة من البحث والتقصي، تمكن "شامبليون"، ذلك الشاب الفرنسي الذي لم يستطيع الالتحاق بالمدرسة في صغره، ولكنه كان من النبوغ إذ تمكن من قراءة أعمال هوميروس وفرجليوس قبل بلوغه التاسعة من عمرة، كما انه أظهر عبقرية فذة وهو في السابعة عشر حينما قدم بحثا عن الأصل القبطي لأسماء الأماكن المصرية في أعمال المؤلفين اليونان واللاتين، ما أهله لفك طلاسم اللغة الهيروغليفية قبل أن يصل الي الثلاثين من عمره، بعقد مقارنه بين اللغات الثلاث.

 

في اليوم التالي لفك طلاسم اللغة الهيروغليفية أيقن الغرب إلي ضرورة أن يكون هناك علم خاص بالمصريات، أو "الايجيبتولوجي"، لتحظي الحضارة المصرية دوناً عن حضارات العالم القديم والوسيط والحديث، التي يصبح لها علم خاص به، يلهث علماء الآثار حول العالم خلفه بحثاً عن أسرار حضارة عريقة لازالت تقدم لنا كل يوم ما هو جديد.

المثير للدهشة، ورغم أن علم "الإيجيبتولوجي" علم معني بالحضارة المصرية، إلا أن المتابع الجيد لأهم رموزه، والمؤثرين في مسيرته، سيلفت نظره أن أغلب المهتمين به، من الأجانب، علي الأخص من ينتمون للجنسيات الفرنسية والألمانية والإنجليزية والأمريكية.

 

تطور الـ"ايجيبتولوجي"

 

أغلب المؤرخين يؤكدون علي أن المصريين القدماء، كانوا أول علماء المصريات، وأن الملك "تحتمس الرابع" والذي حكم في الفترة من 1401 حتي 1391 قبل الميلاد، كان أول المهتمين بعلم المصريات، وأن قيامه بإزالة الرمال حول جسد أبو الهول تحقيقا لحلم رآه يناشده فيه بذلك، كان أول أعماله، خاصة وأنه ترك لوحة تحكى تفاصيل هذا الحلم، وبعد قرنين من حكم "تحتمس الرابع"، قام الأمير "خع إم واست" ابن الملك "رمسيس الثاني"، بالتنقيب وترميم آثار أجداده القدماء من معابد ومقابر ومباني، وعلي رأسها هرم الملك "أوناس" بسقارة ليكون أول مرمم للآثار في علم المصريات.

مرت قرون طويلة، سيطر المصريين القدماء علي علوم "الإيجيبتولوجي"، إلي أن جاء القرن السابع الميلادي ليكشف عن اهتمام الإغريق والرومان بدراسة علوم "المصريات"، ويكفي ما وصلنا من تاريخ علي يد مؤرخين أمثال الإغريقي "هيرودوت"، واليوناني "سترابون"، والأثيني "سولون"، والصقلي "ديودورس"، والروماني "يوسفوس فلافيوس" مؤرخ اليهود، ولا ننسي أن الجزء الأكبر من تاريخنا قدمه لنا الكاهن المصري "مانيتون"، ذلك المصري ابن مدينة "سمنود" بالغربية، وكان كاهناً في عهد الملك "بطليموس الثاني" حوالي 280 قبل الميلاد، والذي كلفه بكتابة تاريخ مصر القديمة، ويعتبر المرجع الأول لعلم "الايجيبتولوجي".

 

سنوات كثيرة مرت، حتي جاء عصر العلماء المسلمين، فكانت لهم من الإسهامات في علوم "الإيجيبتولوجي"، ما أدي إلي كشف الكثير من أسرار الحضارة المصرية القديمة، وكانت أول محاولة معروفة قام بها "ذو النون" المصري، أو "ثوبان بن إبراهيم"، المؤرخ السوهاجي الأشهر، والذي عاش خلال الفترة من 796 حتي 859 ميلادية، ومن أشهر مؤلفاته كتاب "حل الرموز وبرء الأرقام في كشف أصول اللغات والأقلام"، ويُعد ضمن العلماء العرب الذين سبقوا "شامبليون" في فك رموز الأبجدية الهيروغليفية.

وهناك أيضاً "ابن وحشية النبطي"، أو "أبو بكر أحمد بن علي بن قيس بن المختار بن عبد الكريم بن حرثيا بن بدنيا ابن بوراطياً الكزداني"، والمتوفي في 930 ميلادية، اكتشف أن الرموز الهيروغليفية مجرد رموز صوتية، وقام بتحليل العديد من تلك الرموز قبل اكتشاف شامبليون، بل أن البعض ذهب إلي أن شامبليون اطلع علي مخطوطة "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام" التي ألفها قبل ان يخرج برموز حجر رشيد.

 

لصوص الـ"الإيجيبتولوجي"

 

مع بداية القرن الثالث، وبدء الدولة الحديثة، ظهر في مصر عدد كبير من الباحثين الأوربيين، وكُتاب الرحلات بحثا عن الاكتشافات التاريخية، وإن كانوا في الأغلب يقومون بسرقة وتهريب الآثار، إلا أن ملاحظاتهم وكتاباتهم قدمت الكثير من المعلومات رغم أخطاءها، لكنهم اتبعوا طرق علمية أثرت الحركة التأريخية، أهمهم علي الإطلاق، الفلكي والمستشرق البريطاني "جون جريفز" أحد أهم دارسي الأهرامات، والكاهن الفرنسي "كلود سيكارد" أول من أنتج خريطة لمصر سنة 1711، والقبطان والمستكشف الدانمركي "فريدريك لويس نوردن"، والأمريكي "كان ريتشارد بوكوك" حاكم ولاية تكساس وعضو مجلس الشيوخ الأسبق، والمؤرخ الألماني "أثانيسيوس كيرتشر"، أهم من قام بدراسة أولية على اللغة الهيروغليفية، ويعتبره الكثيرين أبو علوم "الإيجيبتولوجي".

وفي أواخر القرن الثامن عشر قام علماء حملة نابليون بونابرت بتسجيل الحياة النباتية والحيوانية والتاريخ في موسوعة وصف مصر، واتخذت دراسة "الإيجيبتولوجي" شكلا علميا أكثر جدية بعد اكتشاف حجر رشيد عام 1822 ميلادية، لتبدأ مرحلة جديدة من علم المصريات، مرحلة يتم فيها كتابة التاريخ بناء على الاكتشافات الحفرية والبرديات واللوحات والنقوش على جدران المعابد والمقابر.

 

ما بعد الحجر

 

في عام 1928، أي بعد نجاح "شامبليون" في فك رموز اللغة الهيروغليفية بحوالي ستة سنوات، وصلت أول بعثة يمكن تصنيفها بأنها علمية الطابع، لم تكن ذات هدف استكشافي بقدر ما كان الهدف منها بحثي في المقام الأول، البعثة ضمت عدد من العلماء المهتمين بالمصريات، علي رأسهم الفرنسيان "فرانسوا شامبليون"، وصديقه "نيستور لوت"، والذي وصف بأنه " مصرولوجي" من الطراز الرفيع، بالإضافة الي الإيطالي أبوليتو روسيلليني.

الحق يقال، أن تلك البعثة كان لها أثر كبير في تنظيم الحياة الأثرية في مصر، فبمجرد وصولها الي مصر، حصلوا علي تصريح بالتنقيب من والي مصر، محمد علي باشا، وقاموا باستكشاف 50 موقعاً، وسجلوا ملاحظاتهم في ستة مجلدات، كانت الأمور تسير بمنتهي السهولة لكل من يريد أن ينقب عن الآثار المصرية، فأسرع "شامبليون" إلي والي مصر، ليقدم أول التماس مكتوب من نوعه، يقترح فيه تنظيم الحفريات، ووضع قوانين لمنع السرقة والتهريب للآثار المصرية، ولكنه للأسف لم يجد صدى لدى محمد على.

 

بعد عامين من تلك الواقعة المأساوية، فطن قائد النهضة العلمية في مصر، رفاعة رافع الطهطاوي، والذي لم يتخطي الثلاثون من عمره بعد، إلي نصيحة "شامبليون"، وكان أول علماء "الإيجيبتولوجي" المصريين، فقدم هو الأخر التماساً، الي محمد علي باشا، ولكنه للمرة الثانية لم يتخذ أي إجراء، حتى جاء الفرنسي "أوجست مارييت"، والذي حصل علي الباشاوية كإعتراف بإسهاماته في الحفاظ علي الآثار المصرية.

التعليقات