يشكوا من تعرض مهنته للانقراض

"عم رمضان".. فنان يحول الطين إلي تُحف تحكي قصة التاريخ

"صناعة الفخار".. أقدم الحرف التي عرفها المصري القديم، والذي اكتشف منذ أقدم العصور روح الطمي الذى يجلبه نهر النيل ويراكمه فى واديه الخصيب، فقام بتشكيله وحرقه فى أفران تنضجه وتمنحه الصلابة، ووصل إلى درجة عالية من الدقة والكمال في صناعته، بداية من أواني الأطعمة وأدوات الزينة، حتى توابيت الموتى، لذا رفعوا صانع الفخار، أو "الفخراني" إلى أرفع مكانة يمكن أن يصل إليها عامل بسيط في مصر، فقد صوروا الإله "خنوم" إله الخلق عند الفراعنة، وهو يجلس على عجلة الفخار ليشكل الإنسان.

 

بمجرد أن تطأ بقدميك حي الفواخير، بمنطقة بطن البقرة، بمصر القديمة، وتسأل عن أمهر صناع تلك المهنة المعرضة للاختفاء بين لحظة وأخري، حتي يشير إليك المارة بتلك الورشة الصغيرة، مجرد حجرتين صغيرتين، داخل إحداهما فرن أصغر، علي يمينه ينتحي عجوز في بداية العقد الثامن من عمره ركنًا، طويل القامة، ضخم الجثة، قمحي البشرة، واسع الفم، خط الشيب شاربة ولحيته، له صدغان منخفضان، وعينان ضيقتان غائرتان حادتان كعيني نسر كاسر، بين الحين والأخر ينفث دخان سيجارته.

بدا عم "رمضان"، أكبر صانع فخار في قاهرة المعز، شارد الذهن، ظن العاملين لديه أنه يختلس بعض الوقت للراحة من عناء يوم طويل، ولكنه ظن من النوع الأثيم، فرغم ما علق بجلبابه الأزرق من طين، كان ينظر إلي ورشته التي لازمته سنين، تذكر كيف بدأ فيها حكايته مع الطين، وكيف عشق تلك المهنة منذ أكثر من سبعة عقود، منذ أن كان طفلاً صغيرًا يخطو خطواته الأولي.

بدأت قصة عم رمضان مع الفخار وهو في الخامسة من عمره في مدينة مصر القديمة التي نشأ بها، وتحديدا أمام ميدان مسجد عمرو بن العاص، وذلك فى الوقت الذى كانت فيه تلك المنطقة مشهورة بتلك الصنعة، فتشرب الحرفة من جيرانه، وتعلق بها، لدرجة أنه كان يترك اللعب مع أقرانه لينضم إلى صانعي الفخار، فتعلم منهم كيف يمسك الطين بيديه الصغيرتين ويحوله إلى قُلل يشرب منها أهل شارعه.

سنوات طويلة مرت، وعم رمضان يكبر ويتقن حرفته، بل ويبتكر أشكالًا وطرق أكثر براعة من أسلافه، ما جعله يتحول إلى أشهر صانعي الفخار فى مصر القديمة، وربما في مصر كلها، وذاعت شهرته أرجاء العالم، وأصبح صانع فخار رحالا بين الدول والمعارض الدولية، من بلجيكا إلى أمريكا إلى فرنسا إلى ألمانيا، ليعرض منتجاته فى معارضها الدولية.

في عام 1978 انتقل إلي سلطنه عمان ليعمل فى وزارة التراث القومي والثقافي بها، ومن خلال عمله هناك قام بتطوير المهنة، ما شجع الوزارة من خلال اقتراح عم رمضان على إنشاء مصنع للفخار، انتهوا من تصميمه عام 1984، وهو العام الذى عاد فيه إلى مصر مرة أخرى بعد تركه بصمة كبيرة لصناعة الفخار هناك، أكثر ما يحزنه تعرض فن صناعة التُحف الطينية للانقراض، واختفاء الأيدي الماهرة.

التعليقات