درة الدولة الأيوبية

"قبة الإمام الشافعي".. أقدم أضرحة مصر الإسلامية

تُعد قبة الإمام الشافعي أحد أكبر الأضرحة الإسلامية في مصر، وتقع فى ميدان الإمام الشافعى، تحديدًا بقرافة الإمام الشافعى بالقاهرة، ووفقا للنص المنقوش على العتب الخشبى للشباك الغربى للقبة، فإن منشئها هو الملك الكامل بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، والذى تولى الحكم في سنة 615 هجرية، 1218 ميلادية، وإن كانت والدته هي التي قامت ببنائه عام 1211 ميلادية، أي قبيل توليه الحكم بحوالي سبعة سنوات، ويُعد حتي اليوم درة الدولة الأيوبية.

 

أما عن السبب الحقيقي الذي دفع والدة الملك الكامل لبناء ذلك الضريح، فيأتي إكراما وتعظيما للإمام الشافعي، والذي ولد بغزة سنة 150 هجرية، ورحل إلى مكة ونشأ بها، حيث حفظ القرآن، ثم رحل إلى المدينة وأصبح فقيها بها بعد وفاة الإمام مالك، ثم رحل إلى بغداد، ومنها إلي مصر وظل بها حتى توفى سنة 204 هجرية.

وتعتبر قبة الإمام الشافعى من أجمل القباب التى بنيت فى مصر، وهى عبارة عن مساحة مربعة، بُنى الجزء السفلى منها بالحجر، ويبلغ ارتفاعه حوالي 10.62 متر، بينما الجزء العلوى من الآجر فيبلغ ارتفاعه 6.16 متر بالشرافات المسننة، في حين نجد أن الجزء السفلى من الخارج، فعبارة عن مداميك حجرية متتالية دون أى زخرفة أو فتحات، ويلى ذلك الجزء كورنيش حجرى بارز، وتتوسط الجدران أعلى الكورنيش فتحة شباك على هيئة عقد مدبب، على كل جانب من جانبيه دخلة ذات صدر مقرنص وحنية معقودة، ويتوج هذا القسم شرفة من الآجر المزخرف بالأشكال الهندسية، يعترضها دعامات من الآجر المكسى بالجص المزخرف بزخارف نباتية وهندسية وكتابية.

أما الجزء العلوى من الضريح فيرتد عن الجزء السفلى إلى الخلف، فنتج عن ذلك ممشى ينحصر بين السور والجزء العلوى من المربع السفلى للقبة، وينتهى هذا الجزء بصف من الشرافات المسننة.

 

وتعد القبة من أروع القباب فى عمارة مصر الإسلامية وأقدمها، إذ حليت بزخارف وكتابات تعتبر آية من آيات الفن المعمارى، وهى ذات قطاع مدبب، ومشيدة من الخشب، ومكسية بألواح من الرصاص، وقد فتح برقبتها ستة عشرة نافذة للإضاءة والتهوية، وقد اشتهرت هذه القبة بـ"العشارى" الذى يعلوها، وهو مركب صغير مثبت فى هلالها، تتدلى منه سلسلة حديدية يقال أنها وضعت ليتسلقها من يقوم بوضع الحبوب للطير، والأرجح أنها تشير إلى علم الإمام الشافعى الذى سمى ببحر العلوم.

ولقبة الإمام الشافعى مدخل عبارة عن حجر غائر ذو عقد مدائنى، تتصدره فتحة باب ذات مصراعين خشبيين، دقت حشواتهما بالأويمة، ويؤدى هذا الباب إلى حجرة مربعة كسيت جدرانها الداخلية بوزرات رخامية من أسفل، وبزحارف نباتية وهندسية وكتابات كوفية أندلسية من أعلا، ويشتمل الجدار الجنوبى الشرقى لهذه الحجرة على ثلاثة محاريب، أكبرها أوسطها، وقد كسيت حنيتها النصف دائرية بأشرطة من الرخام الملون، أضيف لهذه القبة محراب رابع فى وقت لاحق، إذ لاحظ مهندس السلطان قايتباى المعروف باسم "شمس الدين بن الزمن"، أن هذه المحاريب منحرفة بعض الشئ عن اتجاه القبلة الصحيح، فقام بعمل ذلك المحراب لتصحيح اتجاه القبلة.

وتحتوى القبة على تابوتين خشبيين رائعين، أولهما تابوت الإمام الشافعي، والذى صنعه "ابن معالى النجار"، وهو ذو غطاء هرمى حافل بالكتابات النسخية والكوفية، ويشتمل على حشوات مجمعة على شكل الأطباق النجمية، ومنقوشة بزخارف نباتية، وتحيط مقصورة خشبية بهذا التابوت أقامتها لجنة حفظ الآثار العربية سنة 1329 هجرية لحمايته، ويتقدم التركيبة الخشبية شاهد قبر رخامى على هيئة عمود اسطوانى نقش عليه بخط النسخ ستة عشر سطرا، وتتضمن اسم الإمام الشافعى ونسبه الممتد حتى عبد مناف جد النبى صلى الله عليه وسلم، وتاريخ مولده ووفاته.

أما عن التابوت الثاني فيُنسب لأم الملك الكامل، وقد دقت جوانبه بالأويمة فى أشكال نباتية رائعة، تتوسطها حشوات نجمية، كما أن بها مقصورة ثانية يقال أنها لأولاد ابن عبد الحكم، وهى أسرة الفقيه الذى استضاف الإمام الشافعى عند قدومه مصر، كما دُفن بمقبرة الإمام الشافعى أيضا الملكة "شمسة"، زوجة صلاح الدين الأيوبي، وابنه العزيز عثمان، ولكن قبريهما غير محددين.

التعليقات