منوعات طبيعة تاريخ
موطن أهم الحيوانات والطيور والنباتات المهددة بالإنقراض

400 حفرية تروي قصة الأرض منذ 40 مليون سنة بوادي الحيتان

بمجرد أن تطأ بقدميك رمال وادي الحيتان، ستدرك أنك تغوص في أعماق بحر قديم ضخم مليء بالكائنات البحرية المختلفة، وبمرور ملايين السنين تحول إلى جبال وصخور وبقايا من تلك الكائنات البحرية، ستدرك أنك تقف في عالم آخر يمتد عمره إلى ما يقرب من 40 مليون سنة مضت، وحيتان وعرائس بحر وهياكل مائية مختلفة، حفريات توثق التطور الطبيعي لتلك الكائنات، مشهد يدل علي وجود عالم واختفاء آخر، بانوراما ترى من خلالها عالمين يندمجان في صحراء وادي الحيتان.

 

محمية وادى الحيتان، أحد أهم المواقع الإستثنائية في عالم الحفريات، والتي تم تصنيفها كموقع للتراث العالمي لليونسكو، باعتباره يقدم أهم دليل علمي لتفسير واحد من أعظم أسرار تطور الحيتان، فقد أثبتت الأبحاث أنه لا يوجد مكان آخر في العالم ينتج عنه عدد هذه الأحافير ونوعيتها، بل وتركيزها في موقع واحد، والذي يبعد عن القاهرة بحوالي 150 كيلو متر، وتبعد أكثر من 90 كيلو متر عن مدينة الفيوم، وتقترب كثيراً من محمية وادى الريان، وتبلغ مساحتها 400 كيلو متر مربع، وتقع في منطقة صحراوية نائية في الشمال الغربي بالقرب من سفح جبل جهنم. 

منذ ما يقرب من 115 عام مضت، وتحديدًا في شتاء عام 1903 كانت البداية باكتشاف بقايا حفرية في وادي الحيتان، فأثناء زيارة عالم الجيولوجيا البريطاني "بيد تل" إلى مصر، وذلك لإجراء مسح جيولوجي في المنطقة، عثر على حفريات للحوت المعروف باسم "الباسيلوسورس إيزيس"، والذي يعود انتمائه لعصر الإيوسين، أي خلال الفترة من 37 الي 42 مليون سنه مضت، ويصل طوله إلى 18 متراً، وكان يسبح كالثعابين في قيعان البحار، وبالقرب منه وجد حوت أخر أسمه "دوريودون اثروكس"، وهو أقل حجمًا، وينتمي لنفس العصر، وقد أدي هذا الإكتشاف لفك بعض طلاسم العصر الإيوسيني.

 

طيلة أكثر من ثمانية عقود لم يجذب وادي الحيتان سوي القليل من الإهتمام، ويهود ذلك إلي صعوبة الوصول إلي تلك المنطقة النائية وسط الصحراء، وفي عام 1980 ظهرت السيارات ذات الدفع الرباعي، فبدأ الإهتمام بالموقع من جديد، ما أدي إلي ظهور هياكل عظمية لكائنات مختلفة، وفي عام 1989 عثر علماء مصريين وأمريكيين علي بعض الهياكل لحيتان ضخمة، أهم هيكل الحوت الباسيلوسورس، والحوت الدوريودون أثروكس، بأرجلهما وأقدامهما الصغيرة، وفى عام 1996، اكتشفوا أحفورة حوت آخر قديم يبلغ طوله 5 أمتار، وهو الحوت اتشيرنوس سيمونس، وفي عام 2006، توصلوا إلي الجد الأكبر الفيلة، وتعرف باسم بيراثيوم، وفى عام 2007 تم تسمية الحوت الذى يبلغ طوله 10 أمتار باسم "ماسوا سيتسى ماركجريف".

أما عن الأهمية التي اكتسبها وادي الحيتان، فتعود في المقام الأول إلي أنه يعد من أقدم مناطق التراث الطبيعى بالعالم، وتضم حفريات مميزة وفريدة، ما جعلها شاهدة على عصور وأزمنة سابقة تعود إلى ملايين السنين، حيث ترجع أهمية الوادي إلى العثور على هياكل عظمية كاملة للحيتان في صحراء الوادي، ويرجع تاريخ تواجدها بالمنطقة إلى ما يقرب من 40 مليون سنة مما يؤكد أن المنطقة في هذا التاريخ كانت جزءا من محيط يحتوي على الكثير من الأحياء المائية.

 

وتعد صخرة الألمان، أحد أهم وأشهر معالم وادي الحيتان، تلك الصخرة التي سقطت فوقها طائرة ألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، وقد وجد الباحثين بعض العلامات باللغة الألمانية تدل على هوية أحد الطيارين المقاتلين، والذي سقط في الأغلب بطاقم طائرته بالقرب من الصخرة، وذلك في عام 1942 أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي ما زالت موجودة إلى الآن، كما تضم المحمية هياكل متحجرة للحيتان والكثير من الكائنات البحرية، والتي يرجع تاريخها إلى 40 مليون سنه.

المثير وفقا لما وثقته جهات دولية ومحلية، أن محمية وادي الحيتان توثق تطورات الحيتان في العالم أجمع، فهي حفريات نادرة تبلغ حوالي 400 حفرية نادرة للحيتان، كما بها هياكل الكثير من الحيوانات والأسماك الأخرى مثل،‏ القروش والأسماك العظمية وعروس البحر والدرافيل‏ والسلاحف والثعابين البحرية وفصيلة "الباسيلو سورس" الدينصورية التي يصل طولها إلى نحو 22 متر، كما يوجد العديد من الحيوانات الثديية البحرية، وبقايا نباتات المانجروف المتحجرة، وبعض أنواع القردة المنقرضة، والتي وجدت على جبال الوادي، مثل جبل القطراني، وكذلك بعض أنواع الأفيال التي أرجع العلماء زمنها إلى عصرين متتالين، الأيوسين والألوجسين.

 

لكن السؤال الأهم الأن، كيف وصلت تلك الكائنات المائية إلي منطقة الفيوم، منذ ما أكثر من 35 مليون سنة مضت كانت تلك المنطقة جزء من محيط هائل يسمي بحر تيث، وهو بحر ضخم كان يفصل بين القارات، استمر هذا الشكل الجيولوجي طيلة الفترة من 250 إلأي 35 مليون سنة، ونتيجة للتغيرات المناخية، تقلص البحر الهائل، ولم يتبق منه سوي البحرين المتوسط والأحمر.

أكثر ما يعطي لوادي الحيتان قيمة مضافة، احتوائه علي بيئة تضم العديد من الكائنات النادرة والمهددة بالإنقراض، علي رأي تلك الكائنات الغزال الأبيض، الغزال المصري، ثعلب الفنك، ثعلب الرمل، والطيور المهاجرة النادرة، مثل صقر شاهين وصقر الغزال والصقر الحر والعقاب النسارى وأنواع أخرى من البط والسمان والتفلق، وأنوا البلشون والعنز وغيرها، بالإضافة إلي النباتات البرية مثل الأتل والرطريط الأبيض والعاقول والسمار والغاب والبوص والغردق والحلفا.

التعليقات