منوعات طبيعة تاريخ
بدأت قبل عصر الأسرات بآلاف السنين

"التحنيط عند الفراعنة".. بوابة الروح لحياة ما بعد الموت

في منتصف أحد أيام الصيف الحار، ورغم الجو الخانق، وقفت تلك الفتاة على أعتاب باب إحدي غرف منزلها، تراقب جسد أمها الممدد على الفراش، جسد ساكن فارقته الروح، بجوارها جلس الشقيق مطأطأ الرأس، تشكو ملامح وجهه عجز الفقر، وقلة الحيلة، بين الفينه والأخري يدخل بعض الجيران، يضعون تحت الجثمان القليل من الذهب الخفيف، هو كل ما يسمح به ضيق اليد.

 

اقتربت الفتاة من ذلك الذهب وأضافت إليه ما ترتديه من حُلي، ثم نزعت من يدي أخيها تميمته الذهبية، وقدمته للكاهن، إلا إنه لم يرضى بذلك القدر الضئيل، انصرف من المنزل قائلًا: إنه لا يكفي تحنيط أصابع القدم، أسرعت خلفه ترجوه أن يصبر قليلا حتى تأتي له بكردان آخر من الذهب، لكنه أجابها بذلك القول المفزع "أسمعي يا هاتي.. أمك جاءت الدنيا أنجبتك إنت وأخوكِ.. والآن اختفت في عالم النسيان معززة مكرمة"، لم تحتمل الفتاة عبارة الكاهن، لكن ما باليد حيلة.

انتحت "هاتي" ركنًا بعيدًا من الحجرة تبكي حال أمها، انتفصت حينما وضع حبيبها "رام" يديه علي كتفيها، حاول كثيرًا أن يواسيها، حبيبتي "هاتي"، لن تذهب الام إلي عالم النسيان، ولكنها ستذهب إلي حضن الرب، فقد صنع مكانًا للفقراء، سنلتقي بها عندما نموت، كان يظن أن كلماته تلك يمكن أن تخرج حبيبته من ذلك الحزن الآليم، ولكنه فوجئ بإجابتها الصادمة: كيف ذلك يا "رام"، لم يعد لديها جسد تعود إليه، كيف سيتثني لنا معرفة بعضنا البعض.

 

منذ ما يقرب من ربع قرن مضى، وتحديدا عام 1994 ميلادية، قدم المخرج والسيناريست يوسف شاهين، واحدًا من أكثر الأعمال الجدلية في عالم السينما، فيلم المهاجر، الذي يحتل المركز رقم 52 في قائمة أفضل 100 فيلم مصري، والذي من خلاله أوجد ربطا بين التحنيط وحياة ما بعد الموت، ويعد مشهد الفتاة "هاتي" والتي قامت بدورها الفنانة حنان ترك، من أكثر المشاهد السينمائية التي تعكس إيمان المصري القديم بأن التحنيط بوابة العالم الآخر في الحياة الأبدية، وكان علم التشريح، ذلك العلم الذي تقدم فيه المصري القديم، البوابة الحقيقية لتقدم فن التحنيط عن الفراعنة، ومن خلاله أمكن لأرواحهم، ووفقًا لذلك المعتقد الحياة الأبدية، القدرة علي عودة الروح إلى أجسادهم في رحلة البعث والخلود.

قديمًا، وقبل أن يتطور علم التحنيط، أي عصر ما قبل الأسرات، كان المصري القديم يعتمد علي التحنيط بالطرق الطبيعية، فكان يقوم بدفن الجثث في حفر غير عميقة في الرمال، فالحرارة الشديدة كانت كفيلة بحفظ الجثث من التلف وامتصاص السوائل، ومع بداية عصر الأسرات، زاد الإيمان بفكرة حياة ما بعد الموت، وأهمية الجسد لتتعرف عليه الروح، فصار المعتقد السائد أن الأمر لا يتوقف عند تحنيط الجسد والحفاظ عليه من العفونة، وإنما يجب أن يصل للحفاظ على شكل وملامح الميت، بحيث تتمكن الروح من معرفة الجسد الذي يخصها، فتبحر العلماء في ذلك العلم، حتى وصلوا إلى أقصى درجاته، ولعل ذلك يظهر جليا في صمود مومياوات يعود تاريخها إلى أربعة آلاف عام قبل الميلاد، دون أن يصيبها تحلل أو عفونة.

 

كان حفظ الأجساد من التعفن والتحلل، يُعد أحد أهم أسرار المصريين القدماء، والتي حافظوا عليها باستماتة، ولعل قول كبير كهنة آمون في أحد مشاهد فيلم المهاجر، والذي اخترق فيه "رام" الذي يجسد دوره الفنان "خالد النبوي"، غُرفة التحنيط، كفيلا بتجسيد تلك الفكرة التي ترسخت في أذهان المصري القديم، فبمجرد أن علم انه غريب قال بغضب "غريب في غرفة التحنيط .. جميل جدا".

أطلق على ذلك العلم الكثير من الأسماء، منها كلمة "وتي"، وهي كلمة فرعونية تعني التكفين، كما أطلق عليه كلمة "مومياء" وهي لفظة فارسية تعني اللون الأسود، فعادة ما يتغير لون الجثة بعد عملية الحفظ إلى ذلك اللون، أما كلمة "تحنيط" فهو الأسم الأشهر لذلك العلم، وهي كلمة عربية أشتقت من كلمة "حنوط"، التي تطلق على مواد يستخدمها المحنط في حفظ الجثمان.

 

ظل ذلك العلم سرا من أسرار الفراعنة، حتى أننا لم نكن نعلم عنه سوى ما ذكره المؤرخ اليوناني هيرودوت، فقد دون بعض طرق التحنيط أثناء زيارته لمصر في القرن الخامس قبل الميلاد، لكن مع الإكتشافات الحديثة زادت معلوماتنا عن ذلك العلم، خاصة عندما اكتشفت البعثة الأمريكية التابعة لجامعة ممفيس الأمريكية المقبرة رقم 63 بوادي الملوك، والتي احتوت على 8 توابيت، بداخلهم بقايا أدوات ومواد خاصة بالتحنيط، والتي استخدمت في حفظ مومياء الملك توت عنخ آمون، ما فتح بابًا كبيرًا لكشف أسراره الخفية.

استخدم المحنط المصري القديم أساليب مختلفة في عمليات التحنيط، فكانت هناك طريقة يستخدمها مع الملوك وكبار رجال الدولة، ولكنها باهظة التكاليف، وفيها تبدأ عملية التحنيط داخل خيمة الإله أو المكان المطهر، والذي كان يُطلق عليه باللغة الهيروغليفية "بر – عبد"، حيث توضع الجثة على منضدة التحنيط الحجرية، ويبدأ المحنط بكسر عظمة الأنف باستخدام أزميل ومطرقة، ثم يتناول صنارة معقوفة ويقوم بإخراج المخ من الفتحة التي صنعها، ويملأ الجمجمة بطبقة سميكة من البيتومين والكتان المشبع بالصمغ أو بالراتنج المستخلص من النباتات، حتى يحفظها من الكائنات الدقيقة التي تتوالد داخل الجثث.

 

الدراسات التي أجريت على مومياوات بعض الملوك منهم تحتمس الأول والثاني والثالث، أكدت على أن رأسها تحتوي على المخ، مما يؤكد أن المصري القديم لم يتبع تكنيكا نمطيا في تحنيط الأجساد، ومع الدراسات المتوالية لمومياوات الفراعنة على مدار الأسر، ثبت أن المحنط لم يلتزم بطريقة واحدة في التحنيط، حتى إنه من الصعب أن نجد مومياوتين متشابهتين سواء في طريقة التحنيط أو في المواد المستخدمة.

أما الخطوة الثانية، فيقوم بها المحنط ليتخلص من كل المواد الرخوة التي تسبب التعفن البكتيري، فيشق الجانب الأيسر من أسفل البطن، ومنها ينزع كل الأعضاء الداخلية، ويغسلها جيدا ثم يغمرها بملح النطرون، ويقوم بمعالجتها بمادة الراتنج الساخنة، ثم توضع في أربعة أواني كانوبية على شكل أولاد الإله حورس، فالكبد يوضع في وعاء "إمستي" على شكل إنسان، والرئتين توضع في إناء "وحابي"، والمعدة في وعاء "دوا – موت – إف" وهو على هيئة رأس ذئب "إبن آوي"، بينما توضع الأمعاء في وعاء "قبح – سنو – إف" ذو رأس الصقر.

 

لا يترك المحنط في الجسد سوى القلب والكليتين، ثم يقوم بغسله من الداخل والخارج بمحلول مكون من 15 مادة، منها نبيذ البلح، ونبات المر، والحناء، وزيت خشب الأرز، والبصل، ثم يملأ تجاويف الصدر بكور من الكتان المشبع بالراتنج والعطور ومحلول النطرون، وهي مواد تمنع التحلل البكتيري، بعد ذلك تدفن الجثة داخل ملح النطرون لمدة تصل إلى 40 يوما, حتى تجف الأنسجة تماما من كل السوائل والدهون.

يُنقل الجثمان مرة أخرى إلى "بر – عبد"، ليتمكن الكهنة من تطهيره بمياه النيل، وتعتبر تلك الخطوة أهم ما في مراحل التحنيط، لتحديد الوقت اللازم لتحضير الجسد، إلى جانب إيمان المصريين القدماء بقوة النيل في بعث الإنسان مرة أخرى، وتكتمل عملية التطهير بإضافة زيت الأرز والزيوت النفيسة والعطور، وتدليك المومياء بالبخور والقرفة.

 

وفي النهاية يُصب على المومياء الرايتنج السائل، ومهمته إغلاق المسامات، باعتباره عازلًا للرطوبة والحشرات الدقيقة، بعدها يقوم المحنط بإغلاق العينين والأذنين والأنف بالشمع، ثم يلف المومياء بالكامل بعشرات الأمتار من الكتان المشبع بالصمغ، والذي يحمل في طياته التمائم ولفافة البردي الجنائزي، ويزينها بالحلي ويلقي عليها الزهور، ليتبقى أمامه الطقس الأخير لإكتمال المراسم الجنائزية، فيقوم بترتيل الصلوات وفي تلك الأثناء يقوم بفتح فم المومياء، لتتمكن حواسها للعودة مرة أخرى في العالم السفلي، وأخير يضعها في التابوت الذي يحمل قناعا يشبه ملامح المتوفي، ومزخرف بعبارات من كتاب الموتى، ثم يدفن داخل مقبرته التي تحتوي على كافة الأغراض التي يحتاجها في رحلته إلى العالم الآخر.

أما العامة ومتوسطي الحال فكانت توجد خطوات أكثر بساطة وأقل بذخًا في تحنيط موتاهم، واستمرت تلك الطقوس حتى ظهور المسيحية، ولكنها تراجعت بشكل ملحوظ في العصر الروماني والهيلينستي، حتى أن جودة الحفظ كانت أقل من العصور السابقة، وإن كان أضيف إليه القليل، حيث أضيفت على المومياء لفة من الكتان يكللها قطعة ذهبية في المنتصف، بالإضافة إلى حفظ الأطراف أو الجسد بالكامل بطبقة من الذهب، وفي العصر البيزنطي توقف إستخدام التحنيط وتطويره.

 

لم يقتصر وجود المومياوات المحنطة في مصر الفرعونية فحسب، إنما وجد العديد منها في دول وحضارات أخرى، ففي أمريكا الجنوبية عُثر على رأس صبي محنط في صحراء تشيلي، كان ينتمي إلى جماعة "شينكورو"، تلك الجماعة التي لم يكن لها أي سمات حضارية سوى التحنيط، وكان لهم طريقتهم الخاصة في التحنيط، فكانوا يبدءون بانتزاع الأحشاء، ثم تجفيف الجسد بالرماد الساخن وحشوه بالأعشاب، بعدها يقومون بلف الجسد بجلود طير البيلكان، أو سبع البحر، ثم يوضع على وجهه قناع من الطين، ومن المواد المستخدمة في عملية التحنيط مادة الزرنيخ السامة، التي أدت إلى إجهاض الأجنة، لذلك أغلب مومياوات المنطقة من الأطفال.

وفي أوروبا وأمريكا الشمالية كانت المومياوات تقدم كقرابين، ولقد عُثر عليها محفوظة بشكل طبيعي بسبب الطبيعة الجليدية، فقد عُثر علي أحد الرجال في جبال الألب منذ خمسة قرون مضت، عُرف بإسم الرجل الجليدي، ويرجع تاريخه إلى عصر الحديد، في حين أن الطبيعة الحامضية في غرب أوروبا تمكنت من حفظ المومياوات بشكل طبيعي، إلا أن لون الجثمان يتغير للون البني الغامق، ومعظم تلك المومياوات وجدت مهشمة الرأس أو مخنوقة، ومن أشهرها مومياء في قرية تولوند بالدنمارك، تعود إلى ألفي سنة مضت.

 

عُثر أيضا على مومياوات في دولة اليمن، يرجع تاريخها إلى 1200 قبل الميلاد، كانت ملفوفة في الكتان داخل أكياس جلدية محنطة بطريقة متقنة رغم وجودها في مناطق صحراوية وعرة، ويبدو أنها كانت تجرى من أجل طقوس دينية معينة، وبسبب جودة التحنيط العالية احتلت اليمن المركز الثالث على مستوي العالم في التحنيط بعد مصر وتشيلي.

التعليقات