منوعات طبيعة تاريخ
تضم 10 آلاف مخطوطة و7 آلاف كتاب وألف وثيقة

"المتحف القبطي".. أضخم المتاحف التي تحكي قصة الإضطهاد الروماني

أكبر متحف أثري ديني في العالم، وصف بالأهم على الإطلاق، فقد شهدت جدرانه أبشع عصور الإضطهاد في العصر الروماني، ذلك العصر الذي سُمي بـ"عصر الشهداء"، حيث تعرض المسيحيون للتنكيل والتعذيب طيلة القرون الأولي من ميلاد السيد المسيح علية السلام، وحتي اعتراف الإمبراطورية الرومانية بالمسيحية.

 

"المتحف القبطي".. ذلك المبني الأثري الذي وصف بأنه أهم المتاحف المصرية، لما شهده من أحداث تاريخية تعكس الوضع المسيحي في فترة الحكم الروماني، يقع في حي مصر القديمة بمدينة القاهرة، وتحديدا داخل أسوار القلعة الرومانية التي تُعرف باسم قلعة بابليون، ويقف شامخًا خلف بقايا الحصن تمامًا.

 

بدأت فكرة المتحف القبطي تطفوا علي السطح بعد أن قام عالم المصريات الفرنسي، "جاستون كاميل شارل ماسبيرو"، بجمع أعمال الفن القبطي التي كانت متناثرة في أماكن عديدة في مصر، وقام بتخصيص أحد قاعات المتحف المصري، وبعد أن تولى إدارته عام 1860، ومع زيادة أعداد القطع الفنية التي عُثر عليها، وازدحمت بها قاعة المتحف المصري، اقترح ضرورة إنشاء متحف مستقل مُخصص لعرض الاثار المسيحية.

كان الباحث القبطي المصري "مرقص سميكة باشا"، أول من ساهم في تأسيس المتحف، حيث طالب بضم مجموعة الآثار القبطية إلى اهتمامات لجنة حفظ الآثار والفنون عام 1893 ميلادية، وجاهد لأكثر من سبعة عشر عامًا في جمع تبرعات لبناؤه من المصريين، حتى أفتتح عام 1910 ميلادية، ليصبح أول مديرًا له حتى وافته المنية في أكتوبر 1944.

 

أنشأ "سميكة" المتحف على أرضٍ تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المشرقية، أهداها له البابا "كيرلس الخامس"، وكان يتكون من حجرتين داخل الكنيسة المعلقة، لأهمية المكان وعظمة مكانته التاريخية، وظل تابعا للإدارة البطريركية القبطية حتى عام 1931، حيث انتقلت تبعيته لوزارة المعرفة الثقافية، وفي عام 1947 أُنشئ الجناح الجديد، وبدأت عمليات تطوير جناحيه القديم والجديد ليفتتح من جديد عام 1984، وفي عام 1992، وقع أكبر زلزال حدث في مصر في العصر الحديث، هذا الزلزال تسبب في تدمير جزء كبير من المتحف، فأضطر المسئولين لغلقه، وبدأت عمليات الترميم ليفتتح عام 2006، بعد غلقه لفترة 14 عاما.

 

بمجرد أن تطأ قدميك أرض المتحف، سيلفت انتباهك طابع الفن القبطي الممزوج بالتقاليد المصرية القديمة، والحضارة الهلينسية، والبيزنطية، والإسلامية، حيث تجمع مقتنياته ما بين القطع الأثرية والوثائق التي تساعد على دراسة تاريخ مصر منذ بداية ظهور المسيحية، ويتألف المتحف من مبنيين يربط بينهما ممر صغير، ينقسم إلى 26 قاعة، تعرض المقتنيات في فاترينات اصطفت بطريقة مرتبة داخل القاعات.

يضم المتحف أكثر وأشهر الآثار المتبقية من الإمبراطورية الرومانية في مصر، حيث يبلغ عددهم 16 ألف قطعة أثرية، أما عن أهم مقتنيات المتحف فهو كتاب "مزامير داوود"، الأثر الوحيد الذي تفرد بتخصيص قاعة كاملة له، وهي القاعة رقم 17، ويعتبر باب كنيسة القديسة بربارة، الذي صنع من خشب القميز، ومذبح كنيسة القديسين سرجيوس وواخس، أهم القطع الخشبية الموجودة بالمتحف، فمن خلالها يمكن دراسة فن النحت فيما بين القرنين الرابع والسادس، بالإضافة إلى بعض الآثار الخشبية، مثل الأحجبة والأبواب التي ترجع إلى القرنين العاشر والرابع عشر، والتي توضح تأثيرات الفن القبطي.

 

كما يوجد بالمتحف شاهد قبر مصنوع من الحجر الجيري، يرجع إلى نهاية القرن الرابع الميلادي، نقش عليه علامتي الصليب والغنخ بطريقة متداخلة، وقطعة من النسيج، تعود إلى القرن السادس الميلادي، نُسج عليها بعض الرموز المسيحية، ومشط من العاج، يعود إلى القرن السابع الميلادي، يظهر بعض معجزات نبي الله عيسي، بالإضافة إلى تاج عامود مصنوع من الحجر الجيري، يعود إلى القرن السابع الميلادي، مزين بنقوش على شكل عناقيد العنب.

 

وتعد الكتبة أهم قاعات المتحف، فهي تضم 10 آلاف مخطوطة، و700 كتاب، و1000 وثيقة، عبارة عن ورق ونسج من الكتان، بالإضافة إلى مكتبة فلسفة العارفين بالله، وهي عبارة عن 578 ورقة بردي، بالإضافة إلي عدد كبير من اللوحات الجدارية، أشهرها لوحة تمثل السيدة مريم وهي تقف وسط 12 من الحواريين، ولوحة أخرى تمثل نبي الله عيسى وهو جالس أعلى اللوحة، ولوحة أخري توضح قصة خروج آدم وحواء من الجنة، وحفائر تروي قصصا ذكرت في الإنجيل والتوراة، وقد جُهزت المكتبة بوسائل تحمي تلك المخطوطات من الرطوبة والإضاءة،

تُعد "أيقونة الهروب"، أهم مقتنيات المتحف القبطي، لأنها توضح رحلة العائلة المقدسة في مصر، بجوارها مجموعة فريدة من المعادن، تعود إلى القرن العاشر الميلادي، عُثر عليها في مقبرة بإحدى الكنائس المهجورة بالفيوم، وهي عبارة عن أبواب مصفحة بالبرونز، بالإضافة إلي قبة مذبح مصنوعة أيضا من البرونز، والأدوات التي تستعمل بالكنائس في الإنارة، تجاورها عدد ضخم من الأدوات الفخارية والأختام القبطية.

 

بمجرد عبور الممر الصغير ودخول الجناح القديم، نجد فاترينة تحتوي على مناظر نيلية توضح عملية الصيد، وأخرى تظهر النباتات المائية، بالإضافة إلى قطع حجرية تمثل الإله "نيلوس"، رمز النيل عند الإغريق، كما يوجد مجموعة من التصاميم الهندسية المختلفة، وبعض اللفائف النباتية كأوراق شجر العنب ونباتات الأكانتس، وعدد من الأفاريز المزدانة بنقوش على شكل أرانب، وبعض الطيور مثل الطاووس، بالإضافة إلى شواهد القبور التي عُثر عليها في أهناسيا في العصر القبطي المبكر، إلى جانب أقدم مخطوطات للكتاب المقدس.

التعليقات